بعد لقائه، الأسبوع الماضي، رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، على هامش اجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بفكرة «الدولتين»، كحل «يفضله»، حسبما قال، وهو ما اعتبره البعض، وسيعتبره آخرون، تطوراً نوعياً في موقفه، وموقف إدارته، من الدولة الفلسطينية. لكنه أكد، في الوقت ذاته، أنه («يدعم» «إسرائيل» «مئة بالمئة»)، وهذا أمر لا جديد فيه، ولا يحتاج إلى التذكير به. ففي عهده انتقلت الولايات المتحدة من موقع الحليف الثابت ل«إسرائيل» إلى موقع الشريك، بالمعنى الشامل للكلمة، لأشد حكوماته، يمينية وتطرفاً وتشدداً، وأكثرها استعمالاً للسرديات التلمودية الخرافية غير التاريخية.
يُذكِّر المديح الذي حظي به ترامب، لمجرد تلفظه «بحل الدولتين»، بالمديح الذي كان قد حظي به نتنياهو، عندما أعلن، في معهد «بار إيلان»، عام 2009، عن تأييده لرؤية «حل الدولتين». ولو شئنا تقدير مستقبل فكرة «الدولتين» عند ترامب، لقلنا إنه سوف يخيِّب آمال من ظنوا أن لديه موقفاً جديداً من الدولة الفلسطينية، مثلما فعل «نتنياهو» الذي لم يتنازل قيد أنملة عن برنامج حزبه، «الليكود»، وجوهره: «سلطة واحدة بين البحر والنهر»، بل، وعمل بمثابرة، حتى نجح في إقرار «قانون أساس القومية»: («إسرائيل» هي الدولة القومية للشعب اليهودي). وهذا يعني، فيما يعني، عدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بدولة مستقلة وذات سيادة. لذلك، وكي لا يجهلنَّ أحد على أحد، فلنقل: لا يستقيم أمر اعتبار أن ثمة «تطوراً نوعياً» في موقف إدارة ترامب من الدولة الفلسطينية، مع دعمها ل«إسرائيل» «مئة بالمئة»، ولا مع حربها المفتوحة والشاملة على فلسطين، قضية وشعباً، بدءاً بقرار الاعتراف ب القدس عاصمة ل«إسرائيل»، ونقل السفارة الأمريكية إليها، إلى الهجوم على وكالة «الأونروا» وحق عودة اللاجئين، إلى وقف جميع أوجه المساعدات المالية الأمريكية للفلسطينيين، (باستثناء المُخصص منها لأجهزة «السلطة» الأمنية)، إلى قرار إغلاق مكتب «المنظمة» في واشنطن، وصولاً إلى عدم اعتبار القضم الجاري، بكثافة وتسارع غير مسبوقيْن، لما تبقى من أراضي الضفة والقدس، استيطاناً.
أما الوظيفة السياسية لصحوة الرئيس ترامب المتأخرة والمفاجئة تجاه «حل الدولتين»، فتتمثل في محاولة تخفيف الانتقادات والضغوطات المُوجهة لإدارته جراء مواقفها العدائية من القضية الفلسطينية، وتسليح أطراف دولية وإقليمية بمادة إضافية، لدفع الفلسطينيين نحو التعاطي مع خطة «صفقة القرن»، وإغراء قيادة منظمة التحرير، وهو الأهم، كي تعود إلى طاولة المفاوضات العبثية ذاتها، فيما يعلم الجميع أن الوعود ب«حل الدولتين» إن هي إلا كلمة السر لتكريس «مرحلة الحكم الذاتي الانتقالية» التي انتهى عمرها الزمني في مايو/أيار 1999، حسب اتفاق... وأن «صفقة القرن» هي خطة لتصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، سيان: أُعلنت بنودها أم لم تُعلن... وأن الانخراط الرسمي الفلسطيني في مشروع التسوية الأمريكي عبر «مسار مدريد أوسلو»، هو ما أدخل الحالة الفلسطينية في مأزق متعدد الأوجه والأبعاد، وفي ديناميكية الاختزال والتفكيك لخارطة الوطن والشعب والحقوق وأدوات النضال والمؤسسات الوطنية.
وفي السياق، ولتجنب عاقبة «تجريب المُجرَّب»، يجدر التذكير بأنه عندما أفشلت حكومة الاحتلال، برئاسة « إيهود باراك»، عام 2000، مفاوضات كامب ديفيد، حمَّلت إدارة كلينتون، آنذاك، القيادة الفلسطينية مسؤولية ذلك الفشل، بل، وأطلقت حملة تحريض مُنظَّمة ضد الرئيس الفلسطيني السابق، ياسر عرفات ، متهمة إياه ب«إضاعة فرصة فعلية للسلام»، لأنه رفض ما سمته، («عرض «باراك» السخي وتنازلاته غير المسبوقة»)، لدرجة أن يتأثر بعض أعضاء الوفد الفلسطيني للمفاوضات بتلك الحملة الظالمة، وهو ما اضطر الرئيس الفلسطيني الحالي، وأمين سر اللجنة التنفيذية ل«المنظمة»، آنذاك، إلى عقد ندوة قال فيها: «حين وافق أعضاء الوفد «الإسرائيلي» على فتْح ملف القدس للتفاوض، استنتج الهواة في وفدنا أن المعضلة الأساسية أمام إقامة الدولة الفلسطينية قد أُزيحت، فقلت لهم: ليس المهم أن يقبل «الإسرائيليون» مبدأ التفاوض على المدينة المقدسة، بل، ما سيطرحونه، ويطالبون به أثناء المفاوضات».

