منذ خفَتَ لهيب انتفاضة 2000 المسلحة، وبعد وقوع الانقسام الداخلي، عام 2007، تحديداً، دخل النضال الوطني الفلسطيني في حالة من التشرذم، لم يشهدها منذ انطلاق الثورة المعاصرة. إذ صحيح أن الهبات الشعبية، والتحركات الجماهيرية، وأعمال المقاومة، بأشكالها، لم تنقطع، لكنها عانت، كاتجاه عام، من غياب الوحدة والشمولية والاستمرارية، حيث حلَّ الطابع العفوي محل المُنظَّم، والفردي محل الجماعي، والحزبي محل الوطني، ورد الفعل محل المدروس والمُخطَّط. وتجلى كل ذلك، بصورة جلية أكثر، في «هبة» عمليات الطعن، والدهس، وإطلاق النار التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2015.
وهي «الهبة» التي امتلكت قابلية، وكل مقومات التحول إلى انتفاضة شعبية ممتدة وشاملة، تشبه في تأثيرها، إنما دون استنساخ، نظراً للشروط السياسية والميدانية المختلفة، انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، لكن عدم توافر شرطيْ القيادة الوطنية الموحدة، والهدف السياسي الوطني الناظم، هو ما أفضى إلى انطفاء تلك الهبة المجيدة التي أرعبت الاحتلال، وأربكت قادته، وقلبت حساباتهم رأساً على عقب. وأكثر، فقد بات شبح تجدد تلك الهبة يلاحقهم، كلما وقعت عملية إطلاق نار أو طعن أو دهس. وعلى سبيل المثال لا الحصر، جددت، عملية «بركان» الفدائية التي وقعت، الأسبوع الماضي، في شمال الضفة، الخلاف القديم الجديد بين قيادة الاحتلال السياسية، وقيادته العسكرية والأمنية، حيث تُقدِّر الأخيرة، خلافاً للأولى، أن سؤال احتمالات تدهور الوضع الأمني في الضفة هو ليس «إذا ما كانت الضفة ستشتعل أم لا»؟ بل «متى، وكيف ستشتعل»؟ و«ما هي الإجراءات الميدانية والسياسية الاستباقية الواجب اتخاذها لمنع اشتعالها، أو إطالة أمد الهدوء النسبي القائم فيها»؟ وكل ذلك حسب وسائل إعلام الاحتلال.
على أي حال، لا جديد في القول إن جميع مظاهر التشرذم آنفة الذكر، إن هي إلاّ تعبير عن التباسات وتشوهات وإحباطات وإخلالات أفرزها غياب الرؤية الوطنية الواحدة، والبرنامج السياسي الواحد، والمؤسسة الوطنية الواحدة، والقيادة الواحدة، والقرار الواحد لإدارة الصراع الوجودي الشامل والمفتوح مع الاحتلال، وعن التدخلات الخارجية متعددة الأشكال والجنسيات، وأولاها وأخطرها، تدخلات الاحتلال الرامية لإدامة الانقسام الوطني، وتعميقه، بل وتأبيده. إذا كان من الخطيئة عدم إنهاء النخب القيادية الفلسطينية لهذا الخلل البنيوي قبل ظهور «صفقة القرن» التصفوية، فإنه لمن المصيبة عينها أن تتردد قيادتا «فتح» و«حماس» في إنهائه، بعد مرور نحو عام على بدء التطبيقات الميدانية لهذه الصفقة. فمع اعتراف الولايات المتحدة، في نهاية العام الماضي، ب القدس عاصمة ل«إسرائيل»، دخل الشعب الفلسطيني، قضية وحقوقاً ونضالاً، وبالمعنى الشامل للكلمة، مرحلة جديدة من المواجهة.
كان ذلك واضحاً، لا لبس فيه، ولا شك، حتى لمن لا يعرف من السياسة سوى اسمها. لذا، مذَّاك، كان على النخب القيادية الفلسطينية كافة، وعلى قيادتيْ «فتح» و«حماس» بالذات، الإقرار، كما ينبغي، بأن «ما كان يصلح بالأمس»، (إن كان صالحاً أصلاً)، «لم يعد يصلح اليوم»، سواء لجهة طريقة إدارة التعارضات الداخلية، أو لجهة كيفية إدارة الصراع المتصاعد مع الاحتلال، أو لجهة طرائق العمل لكسب التأييد والدعم الخارجي، بالمعنييْن الشعبي والرسمي، آخذين بالحسبان ما بين الحلقات الثلاث، هنا، من علاقة.
ومع خطوات الولايات المتحدة اللاحقة لقرارها بشأن القدس، والمتعلقة ب«نقل السفارة»، والهجوم على وكالة «الأونروا» وحق عودة اللاجئين، وقطْع كل أشكال المساعدات المالية الأمريكية للفلسطينيين، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، باتت معالم، وتحديات، ومخاطر، واستحقاقات، ومتطلبات هذه المرحلة الجديدة، واضحة وضوح الشمس في عز الظهيرة. هذا ناهيك عن ارتفاع منسوب المخاطر والتحديات بعد إقرار «دولة» الاحتلال ل«قانون أساس القومية»: («إسرائيل» هي الدولة القومية للشعب اليهودي). هنا، لا جديد في القول إن وحدة الصف الوطني هي الحلقة المركزية للإمساك بباقي حلقات متطلبات المواجهة السياسية والشعبية في هذه المرحلة الجديدة. وهذا ما عبر عنه، كما ينبغي، الشعب الفلسطيني، مطلع الشهر الجاري، حيث عم الإضراب الشامل فلسطين بين البحر والنهر، بدعوة من «لجنة المتابعة العربية» لشؤون فلسطينيّي 48.

