Menu

مستقبل العلاقات السعوديّة - الأميركيّة ومصير ابن سلمان

د. أسعد ابو خليل

هل قُضيَ الأمر؟ هل تمّ ترتيب الصفقة وباتَ إعلانُها مسألة أيّام معدودة؟ الثلاثي الأميركي - التركي - السعودي أرادَ لفلفة القضيّة بسرعة على ما يبدو. الحكومة التركيّة استمتعت بموقفها القوي في فضح منافسِها على زعامة العالم الإسلامي وخصمها في الصراعات الإقليميّة. لكن قد لا نعلم حقيقة أسباب التسريبات التركيّة التي توقّفت بمجرّد وصول الوفد السعودي برئاسة خالد الفيصل (الذي رعى جمال خاشقجي، مِن جملة الأمراء الذين حظي خاشقجي برعايتهم خلال ممارسته لمهنة الصحافة في المملكة — هذا إذا قبلنا بمبدأ وجود مهنة صحافة في السعوديّة). ولا نعلم لماذا قبل يوميْن فقط استأنفت الحكومة التركيّة ضخّ التسريبات ربّما لأن المفاوضات مع الجانب السعودي تعثّرت مرّة أخرى. هل أن أردوغان قصد من التسريبات إيصال رسالة إلى النظام السعودي كي يدلّ على موقعه التفاوضي القوي، أم أن أجنحة في أجهزة المخابرات التركيّة خشيت من لفلفة القضيّة وأرادت تصفية حساب عسير مع النظام السعودي؟ الاحتمال الأخير غير مرجّح لأن السلطان أردوغان بات ممسكاً بكلّ مقدّرات الحكم منذ محاولة الانقلاب الأخيرة. هو فرضَ مجيء وفد سعودي رفيع كي يُملي عليه مطالبه، وهو على الأرجح يأمرُ متى يشاء بالتسريب ويأمر بوقفها إذا كان ذلك مؤاتياً، بناءً على مسار المفاوضات وعروض الأسعار من الجانب السعودي. كما أن تعظيم الخلاف مع المملكة ليس في مصلحة تركيا الاقتصادية خصوصاً أن عدد السياح السعوديّين في تركيا في ازدياد مطّرد في العقد الماضي (في عام ٢٠٠٨ لم يتجاوز عدد السيّاح السعوديّين ٥٥,٦٣٦، فيما ارتفع العدد بحلول عام ٢٠١٧ إلى ٧٦٦, ٧٧٣. والإنفاق السياحي السعودي أعلى من الإنفاق السياحي من قبل سيّاح من دول أخرى). وليست هذه القضيّة هي العامل الوحيد في تقرير قبول أردوغان بلفلفة القضيّة. إن الثمن الذي سيقبضه الرئيس التركي (ماليّاً ومعنويّاً وسياسيّاً) مقابل الصفقة لا يزيد عن ثمن تفجيره للقضيّة —لو أراد - بوجه النظام السعودي ونشر كل ما بحوزة الأجهزة الاستخباريّة التركيّة عن عمليّة الاغتيال بتفاصيلها. محمد بن سلمان يحتاج إلى إرضاء أردوغان، كما يحتاج إلى إرضاء ترامب (ربّما يحتاج إلى إرضاء أردوغان أكثر لأن الأخير يستطيع أن يُجهض اتفاق لفلفة بين الجانبيْن السعودي والأميركي إذا لم يشمل مراضاة الجانب التركي).

إن الورقة الأكبر في يد أردوغان هي في تسريب تسجيل اللحظات الأخيرة من حياة خاشقجي، وبات مقطع من التسجيل في حوزة صحيفة تركيّة. إن نشرَها على الملأ يقطع الطريق على أي لفلفة ويصم النظام السعودي بجريمة شنيعة (مع تفاصيل أهوالها) على ضمائر العالم أجمع. إن تسريب التسجيل يقطع الطريق على اللفلفة التي يعمل على سكّتها النظام السعودي مع الجانب الأميركي. قد يحتاج الجانب السعودي إلى ضغط (وترغيب) من الجانب الأميركي لإقناع الجانب التركي بلفلفة القضيّة، والثمن التركي الذي سيحصل عليه أردوغان من الإدارة الأميركيّة ارتفع بعد الإفراج عن القسّ الأميركي. والإدارة الأميركيّة تمسك بخيوط كثيرة في الإخراج الأخير والنهائي للقضيّة، ليس فقط بسبب نفوذها مع الحليفيْن التركي والسعودي، بل هي أيضاً ذات حظوة كبيرة مع النظام ال قطر ي الذي بات (بعد أزمته في الحصار السعودي - الإماراتي) أكثر تصميماً على إسعاد أميركا واللوبي الإسرائيلي فيها. بكلام آخر، تستطيع الإدارة أن تؤثّر على تغطية إعلام «الجزيرة» (وغيرها من أجهزة إعلام النظام) كما أثّرت إدارات أميركيّة في السابق على تغطية «الجزيرة» في مفاوضات مباشرة مع الحاكم القطري خصوصاً في ما يتعلّق بتغطية الاحتلال الأميركي للعراق. موجز الكلام أن مصير محمد بن سلمان لم يعد في يده، بل في أيدي حلفائه وخصومه على حدّ سواء. الرجل الذي انتشى بغرور العرش قبل أن يصل إليه، وإن فعل فسيكون مُثخن الجراح.
يُبالغ مَن يثق بقدرة أي من أطراف الصراع الحالي على المضي في التصعيد إلى نهاياته المنطقيّة. للإدارة الأميركيّة وحدها القدرة على التصعيد (بالإضافة إلى الجانب التركي)، وهي الطرف الثاني (بعد الطرف السعودي) الذي يريد إنهاء القضيّة وبسرعة كبيرة. في التغطية المستمرّة لاختفاء خاشقجي تذكير بالجوانب المُظلمة للسياسة الخارجيّة الأميركيّة (والتي يجهلها معظم الشعب الأميركي). وترامب بالذات لا يريد أن تسوء سمعة نظام تدخّل هو شخصيّاً لرفع شأنه في التحالف الأميركي. وتذكير بالحلف الأميركي مع النظام السعودي (بعد عقود من سخريته الشخصيّة من هذا الحلف) هو دليل على عمق أزمة النظام السعودي الذي باتت حقيقة وحشيّته ماثلة للعيان العالمي. لكن هناك مبالغات ومغالطات في تحليل واقع الأزمة الحاليّة.
ما هو حجم الأزمة الحالي، بالنسبة إلى النظام السعودي وبالنسبة إلى التحالف الأميركي - السعودي؟ لا يجب التقليل من أهميّة الأزمة التي باتت بادية على محيّا محمد بن سلمان حتى وهو يتصنّع الابتسام في لقائه مع وزير الخارجيّة الأميركي قبل أيّام. إن عودة السفير السعودي إلى الرياض (وهو الشقيق الأصغر لوليّ العهد) وتصاعد الهجوم في الكونغرس والإعلام ضد النظام يشكّل أزمة حقيقيّة. هذه أزمة علاقات عامّة لم يعانِ منها النظام السعودي من قبل. لم يبالغ عضو في الكونغرس عندما قال إن الغضب ضد النظام السعودي في أروقة الكونغرس يفوق اليوم مستوى الغضب بعد ١١ أيلول. لقد حدثت أزمات في العلاقة من قبل لكن هذه قد تكون من أكبرِها على الإطلاق. الأزمة الأكبر في العلاقة كانت في عام ١٩٧٣ عندما قطعت السعوديّة الإمداد النفطي عن أميركا. والقطع كان في حينه مؤثّراً لأن أميركا كانت تستورد نحو ١٥% من نفطها من الشرق الأوسط (النسبة باتت اليوم أقلّ، ونسبة الاستيراد من السعوديّة أقلّ من ٥٪). والتزمت السعوديّة بالحظر النفطي لكن الشاه (الذي كان يمدّ العدوّ الإسرائيلي بالنفط) زادَ من الإنتاج النفطي كما أن النظاميْن «الثوريّيْن» (المزيّفيْن)، العراقي والليبي، عوّضا عن النقص في الإمداد السعودي وأمدّا أميركا والغرب بالنفط (استعملا ذرائع مختلفة منها أن الحظر لم يكن صارماً بما فيه الكفاية). لكن الحظر النفطي أثّر على الوضع الاقتصادي العالمي، وأدّى (بسبب جملة من العوامل) إلى أزمة طاقة قاسية في أميركا، أدت إلى تزاحم المستهلكين أمام وحول محطات الوقود. (وتعاملت أميركا مع الأزمة عبر وضع خطط تدخّل عسكريّة للاستيلاء بالقوّة على مصادر النفط السعودي في حال تكرّر الحظر مرّة أخرى).