في البداية لابد من لحظ تزايد عدد الجاليات الفلسطينية في الآونة الأخيرة بفعل الأحداث والتطورات التي شهدتها المنطقة، إذ جرى في بداية القرن وبعد الغزو الأمريكي للعراق عمليات إجلاء قصرية لأهلنا في العراق، حيث غادر قسمٌ كبيرٌ منهم عن طريق المنظمات الدولية لبلاد الاغتراب في أستراليا وأمريكيا اللاتينية وأوروبا، وجاءت الأحداث في سوريا لتزيد من حجم الهجرة الفلسطينية لأوروبا بالإضافة للبنان مما زاد من حجم وعدد الجاليات في أوروبا وبشكل رئيسي في ألمانيا والسويد وهولندا والنمسا والدنمارك وفرنسا وبلجيكا، وغيرها من الدول. ولا توجد إحصائيات رسمية وموثوقة وذات طابع علمي لأعداد هؤلاء المهاجرين، لكنّ التقديرات الأولية تُشير إلى مغادرة عشرات الألوف من سوريا إلى أوروبا.
فهناك انقسامٌ حقيقيّ في رؤية النخب والفصائل الوطنية الأساسية المتواجدة في أوروبا (فتح وحماس والشعبية والديمقراطية)، فقسم منهم يرى أن الانخراط في الأحزاب اليسارية والديمقراطية في أوروبا يُشكّل فرصة ووسائل جديدة للتأثير والحوار مع الرأي العام الأوروبي وممثليه، حيث يُشارك عدد من هؤلاء في عددٍ من الأحزاب اليسارية والديمقراطية في السويد، ويُحاولون خوض الانتخابات المحلية والبرلمانية الأوروبية، وقد استطاع البعض منهم الوصول إلى بعض البرلمانات كالسويد وغيرها، لكن الغالبية العظمي من الجماهير والإطارات الوطنية لا تزال ترى أن الأجدى هو إيجاد مؤسسات شعبية جامعة، ولكن الواقع يُشير إلى استمرار حالة التشتت والعجز لدى غالبية الإطارات الجالوية، واقتصار دورها على الجانب الإعلامي المناسباتي والحرص على تمسك الفصائل والقوى الفلسطينية على حضورها حتى ولو كان شكليًا مناسباتيًا. فهذه المؤسسات بقيت للأسف عاجزة عن لم شمل الجاليات والمؤسسات، في مؤسسات تمثيلية واقتصارها على أعضاء التنظيمات وأصدقائها مع استثناءات قليلة وغير مكتملة.
هذا الواقع انعكس على عدم قدرة هذه المؤسسات على خلق حالة وطنية من الاستقطاب قادر على التفاعل والنشاط في الأوساط الفلسطينية، بما يُؤسس لوضع أسس أولية لخلق لوبي فلسطيني، بسبب السياسات الاستفرادية والاستحواذية والإقصائية لقيادة السلطة والمنظمة، ومحاولاتها الجادة لاختطاف المنظمة بكافة مؤسساتها وهيئاتها التمثيلية، وبشكل رئيسي قيادات المنظمات والاتحادات الشعبية الفلسطينية، حيث جرى اختزالها وفقًا لرغبات وإرادة من ارتضوا لأنفسهم بفعل ممارساتهم وسياساتهم الخاطئة من ممثلي الضفة، وفي أغلب الأحيان بحضور رمزي لبعض الممثلين غير المنتخبين لهذه الهيئات في الشتات؛ وبذلك فقدت غالبيتها للأسف- إن لم تكن كلّها- صفتها التمثيلية الجمعية، كاتحاد الطلبة واتحاد المعلمين والمرأة والمحامين والعمال. وبذلك اقتصر وجود الاتحادات على مُبادرات الجاليات والتجمّعات الفلسطينية في أوروبا، مما أفسح المجال لاجتهادات أفرزت حالة من الانقسام لما يُسمى الجاليات الفلسطينية في أوروبا والأمريكتين، حيث جرى تنافس غير شريف وبعيد عن أيّة صفة تمثيليّة حقيقية وفاعلة ومؤثرة للجاليات، فأصبحنا أمام واقع وجود أربعة تشكيلات جالوية تحمل في معظمها الطابع الفصائلي، ولا تقوم بالدور المنوط بها لتوحيد جهود أبناء الجاليات وتأطيرها في إطارات جماهيرية وشعبية جامعة، قادرة على التأثير في الجالية وتفعيل دورها ومكانتها في المجتمعات الجديدة التي تعيش فيها، وتطوير وسائل تأثيرها السياسي والاجتماعي من خلال نشاطات ثقافية واجتماعية وسياسية قادرة على إعلاء وتطوير الدور الفلسطيني في مخاطبة الرأي العام الأوروبي، من خلال التفاعل مع القوى والأحزاب والاتحادات الديمقراطية واليسارية، بما يُؤسّس أو يفتح المجال أمام تطوير الأداء الجمعي الوطني الفلسطيني العام، في إطار إستراتيجية وطنية ورؤية موحّدة لكيفية وأشكال الفعل، سياسيًا وإعلاميًا وثقافيًا، وبما يُعزّز من دور هذا الحضور والوجود الفلسطيني في بلدان العالم، خاصة أوروبا والأمريكتين.
وقد لعبت السياسات التي سارت عليها القيادة الراهنة للسلطة والمنظمة وممثلياتها دورًا سلبيًا، من خلال اقتصار دورها –إن وُجد- على تبنّي وجهة نظر حركة فتح، أو الانعزال في الانخراط بالواقع الاغترابي لجالياتنا الفلسطينية، التي لم يتبلور حتى الآن للأسف وجودها بحضور سياسي إعلامي في التجمعات الجديدة، خاصة أوروبا، التي وصلت إليها أعداد كبيرة من أبناء مخيماتنا في سوريا ولبنان، بعد الأحداث المأساوية التي شهدتها منطقتنا العربية في الآونة الأخيرة.
دبلوماسي ورئيس تحرير مجلة الهدف سابقاً

