لاشك أن الانتفاضة الفلسطينية شكّلت انعطافة كُبرى في حياة شعبنا ووعيه الجمعي في كل أماكن تواجده، وفتحت آفاقًا واسعة للعمل الشعبي الجماهيري في الداخل والخارج وخلقت حالة من الوعي واليقظة الوطنية. هذا الشعب الذي عانى على مدار نصف قرن تقريباً ظروفًا بالغة التعقيد، حاولت من خلالها القوى المعادية لشعبنا وقضيتنا وعلى رأسها دولة الكيان الصهيوني وتحالفاتها الدولية والإقليمية كسر وكيّ وعيه المُتمسّك بحقوقه الوطنية الثابتة في وطنه وأرضه وتاريخه.
وجاءت التحولات الكبرى التي شهدها عالمنا لتزيد من حجم المعاناة والمشاكل التي يُعاني منها شعبنا في أماكن تواجده كافة، وخاصة الشتات، والتي ألقت بظلالها وساهمت باستباحة المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان وقبلهما العراق، وجرت محاولات جدّية لتدميرها وتشتيت أبنائها. فلا نستطيع تجاهل هذه الحقائق والمعطيات بالتزامن مع تغوّل الإرهاب الصهيوني في عموم فلسطين.
كل هذا تزامن مع تغييب وغياب المرجعية الوطنية بفعل السياسات والممارسات التي اتخذتها القيادة الرسمية الفلسطينية وانغماسها فيما اصطلح على تسميته "التسوية السياسية"، والتي فعلت فعلها السلبي على صورة نضالنا العادل والمشروع وصورته في أذهان كل شعوب وأحرار العالم، وكذلك أثرت تلك السياسات على م.ت.ف وصورتها ومكانتها ودورها، بسبب تغول السلطة والقيادة الرسمية الفلسطينية وسلبها للشرعية الوطنية ببعديها الشعبي والثوري من غالبية عناصر قوتها ومنعتها لحدٍ أوصل ممثلنا الشرعي والوحيد إلى كيان صوري مُشوّه جاهزٍ للاستخدام المصلحي والفئوي، بحيث أضحت م.ت.ف غير مؤهلة وقاصرة بفعل تلك السياسات عن التصدي وإفشال المؤامرات والمحاولات المتكررة من أعداء قضيتنا.
والانتفاضة الفلسطينية بدروسها وعِبَرها كانت مدرسةً للنضال ومصدر إلهامٍ لشعبنا وكلّ الشعوب والأمم السائرة في طريق الانعتاق والتحرر السياسي والاقتصادي. وستبقى تُشكّل لشعبنا وعموم الحركة الوطنية مصدر إلهامٍ للمعاني والأبعاد والدلالات الكبيرة التي حملتها أهم ثورة شعبية في القرن العشرين ضدّ الاحتلال وممارساته الإرهابية الإجرامية العنصرية والمستظلّة بحماية قلّ نظيرها في التاريخ من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والعالم الرأسمالي (أوروبا واليابان) وضعف مواقف التأييد والدعم الصيني والروسي. فالانتفاضة مكّنت وفتحت أمام البشرية آفاقًا واسعة لتشاهد بأم عينها طبيعة الممارسات الصهيونية والتي شكّلت صدمة للرأي العام العالمي لحجم ومستوى تلك الانتهاكات وتجاوزها الفظيع للقانون الدولي الإنساني وكل الوثائق والأعراف الدولية وارتقت في هجمتها وإرهابها لمستويات عالية بحيث لم يعد ممكنًا لأي هيئة أو مؤسسة دولية إخفاء طابعها الإجرامي باعتبارها جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.
وقد شكلت الانتفاضة بسياساتها وإنجازاتها ولأول مرّة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ضربةً للاستراتيجية الأمنية العسكرية الصهيونية وعرّتها أمام العالم وأصدقائها، وساهمت في تعزيز الشعب الفلسطيني بقدراته وإمكانياته وكشفت للجمهور الصهيوني هشاشة الأيديولوجيا والفكر الصهيوني ذاته، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤلاتٍ داخلية صهيونية مشروعة حول جدوى ومستقبل المشروع الصهيوني، وبرز عددٌ من المؤرخين السياسيين شكّك في قدرة هذا الكيان العنصري السرطاني على البقاء، رغم كل ما يمتلكه من تكنولوجيا وقوّ عسكرية مفرطة. ووضعت أمام الجمهور الصهيوني بشكل جدّي مسألة مشروعية هذا الكيان ووجوده، وشكلت صدمة مُوجعة وضربة لكل مقومات وعناصر النظرية الاستعلائية المزيفة لهذا الكيان الوظيفي ودوره في خدمة المشروع الاستعماري الرجعي باعتبارها حاجز الصدّ ضدّ كل الأماني والتطلّعات العربية المشروعة في الوحدة والتحرر السياسي والاقتصادي، مما دفع بالقوى الرجعية العربية وقوى الاستعمار العالمي للتعجيل في إجراءات محادثات ما تُسمّى "عملية السلام" لاحقًا، كمحاولة لإجهاض الانتفاضة ومفاعيلها، ووقعت القيادة السياسية الفلسطينية في شرك عملية الخداع والتضليل السياسي والإعلامي الذي رافق محادثات مدريد وما تلاها والتي كانت محصلة التراجعات الوطنية استجابة للإفرازات والمبالغات التي سبقت انعقاد مؤتمر مدريد.
لكن الانتفاضة الكبرى طرحت بزخمها وشعبيتها وقراءتها، أسئلة كُبرى ورسائل أيضا:
أولًا: طرحت أسئلة واستفسارات حول موقف البشرية من جرائم الكيان الصهيوني، وضرورة أن يأخذ العالم وبشكلٍ خاص المنظمات الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان والأمم المتحدة ومنظمة اليونسيف مواقف قادرة على محاكمة كل القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية على جرائمها وانتهاكاتها الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني.
ثانيًا: وجهت رسالة للنظام الرسمي العربي لوقف تدخلاته وضغوطه المتواصلة على القيادة الفلسطينية للرضوخ للإملاءات والشروط الأمريكية الصهيونية.
ثالثًا: رفعت الانتفاضة من مكانة القضية الفلسطينية وصورتها وأعادتها إلى نصابها من حيث عدالة وشرعية النضال الفلسطيني والتفاف الرأي العام العالمي وتضامنه وتعاطفه مع نضالات شعبنا وحقوقه.
رابعًا: أكّدت الانتفاضة على أهمية الوحدة الوطنية الفلسطينية باعتبارها رافعة وحارسة وحامية للفعل الانتفاضي الجماهيري، والذي عمّ كافة المناطق الفلسطينية.
خامسًا: رسخت أهمية التضامن الشعبي واستطاعت بعودة الفلسطينيين للزراعة المنزلية توفير مقوّمات الصمود والثبات لتصبح نموذجًا لزيادة التفاعل الشعبي الفلسطيني حيث بادرت العديد من التجمعات لإرسال المساعدات المادية والمعنوية للأسر والعائلات المتضررة من جرائم وإرهاب القوات الصهيونية.
وقد ساهم الاستثمار السريع لتلك الانتفاضة من قبل القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لعب دور أساسي في قدرة الاحتلال وحلفائه الدوليين والإقليميين على التمكّن من إجهاضها قبل أن تحقق أهدافها، والمتمثلة بالحرية والاستقلال والتعويل على وعود وأوهام بإمكانية تحقيق تلك الإنجازات بالمفاوضات.
ولعب التشرذم والانقسام الذي رسخته حماس بإصرارها على عدم الانخراط في القيادة الوطنية الموحدة رغم اضطّرارها في بعض الأحيان انسجامًا مع زخم الانتفاضة وثقلها على الأرض للتنسيق بحدوده الدنيا مما ساعد في خلق ثغرة في هذا النشاط الجماهيري ضد الاحتلال، الذي أذهل العالم وكشف بصورة فاضحة الممارسات الصهيونية وزيف ادّعاءات الكيان في العالم باعتباره واحة الديمقراطية في المنطقة.

