لم يكن «ثروت عكاشة»، الرجل الذي ارتبط اسمه بأوسع عملية بناء ثقافي في التاريخ المصري الحديث، مقتنعاً ومتحمساً لإسناد مسؤولية الثقافة إليه؛ خشية الصدام مع «شلل وتجمعات همها ألا يزاحمها في سلطانها أحد».
أعرب عن خشيته للرئيس «جمال عبدالناصر»، في حوار كاشف امتد لأربع ساعات، تضمنه كتابه «مذكراتي في السياسة والثقافة».
لا مشروع ثقافي، أو غير ثقافي، يمكنه أن يبنى ويصاغ خارج ما يحيط به من تعقيدات سياسية وصراعات مكتومة على القوة والنفوذ، غير أن المهمة استدعت الهمة وتجاوزت أية تعقيدات ماثلة.
«أنت تعرف أن مصر الآن كالحقل البكر، وعلينا أن نعزق تربتها ونقلبها ونسويها، ونغرس فيها بذوراً جديدة؛ لتُنبت لنا أجيالاً تؤمن بحقها في الحياة والحرية والمساواة، فهذا هو العناء، وهذا هو العمل الجاد، وإنني اليوم أدعوك أن تُقْبلَ على هذا العناء وذاك العمل الجاد، وأن تُشَمِّر عن ساعد الجد، وتشاركني في عزق الأرض القاحلة وإخصابها. إن مهمتك هي تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصري، وأعترف أن هذه أشق المهام وأصعبها، وأن بناء آلاف المصانع أمر يهون إلى جانب الإسهام في بناء الإنسان نفسه».
«أخذ الرئيس يذكرني بأنني لم أكن أغادر القاهرة في مهمة سياسية خاصة، إلا وأعود بحديث مقتضب عن المهمة، تاركاً التفاصيل للتقرير المكتوب، بينما كنت أطنب في الحديث عن النهضة الفنية في الخارج، وعما شاهدت من عروض مسرحية وموسيقية وأوبرالية، ومن معارض فنية تشكيلية، وعن أحدث الإنشاءات الثقافية، وعن أمنيتي في أن تتحقق مثل هذه النهضة في مصر».
«لا أخفي عليك أن كل حديث كان يدور حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتك تتراءى في خيالي، وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحسار المتعة الثقافية، وبخاصة الفنون الراقية، في رقعة ضيقة لا تنفسح إلا للأثرياء، وكيف ينبغي أن تصبح الثقافة في متناول الجماهير العريضة، وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية لتبلغ القرى والنجوع، فمن بين أبناء هذه القرى الغائرة في أعماق الريف بالدلتا والصعيد يمكن أن يبزغ عدد من الفنانين الذين يعكسون في إبداعهم أصالتهم الحضارية. ويبدو لي أن الأوان قد آن لتحقيق هذا المطمح، وقد كنت أنتظر هذه اللحظة لأسند إليك مهمة وزير الثقافة».
صادف اختيار «ثروت عكاشة» أهله، فقد كان مهيأ أكثر من غيره، رغم خلفيته العسكرية، لتولي هذا المنصب، فهو أحد الموسوعيين الكبار في الفنون والثقافة. في تجربة «يوليو» قضايا وتعقيدات متداخلة بين العسكريين والمثقفين تستحق التوقف عندها بالبحث والدرس، أولها التنشئة العسكرية ل«جمال عبدالناصر» ورفاقه، ودورها لا يمكن استبعاده، أو غض الطرف عنه، في تكوين شخصياتهم من حيث احترام التسلسل القيادي، والتزام قواعد الانضباط.
أساسيات العمل العسكري تختلف من حيث طبيعتها، مع ما دُرج عليه العمل الثقافي من تنوع وتقبل للخلاف في الرأي كقيمة بذاتها.
تناقض طبيعة العملين أسّس أحياناً إلى صدامات مكتومة أو معلنة.
وثانيها أن «الضباط الأحرار» لم يكونوا على ذات درجة الثقافة والمعرفة والقدرة على التذوق الفني.
بعضهم طوّر نفسه ثقافياً وفكرياً بقدر ما قرأ وحاور، وأكسبته خبرة الدولة قدرات إضافية، ونجح فيما أسند إليه من مهام جسيمة.
وبعضهم الآخر غابت عنه أية نظرة ثقافية، متصوراً أن الضبط والربط وحده يكفي لإدارة الدولة وإنجاز التكليفات، وكان عبئاً على المناصب التي تولاها.
بنص الحوار الكاشف بين «عبدالناصر» و«عكاشة» فإننا أمام اثنين من المثقفين، كلاهما أخذ وقته، حسب ظروفه في التراكم المعرفي، وكلاهما لديه تصورات وأحلام لإعادة صياغة الحياة من جديد.
لم تنشأ «الثورة الثقافية» من فراغ، ولا طرأت بالمصادفة.
التصورات سبقت الإجراءات، والأحلام حلقت بين رجلين. هكذا اتسعت مساحة القراءة العامة بما هو جدير بالاطلاع عليه من فكر وأدب وإبداع لكتاب مصريين.
نشأ جيل من المسرحيين العظام مثل «يوسف إدريس» و«سعد الدين وهبة» و«ألفريد فرج» و«محمود دياب» و«ميخائيل رومان» و«نعمان عاشور».
أنشئت أكاديمية الفنون بالهرم، وأرسلت بعثات إلى عواصم أوروبية، خاصة موسكو، لتعلم الموسيقى الكلاسيكية وفن الباليه والمسرح.
نهضت حركة الفن التشكيلية، وشهدت الأغنية الوطنية عصرها الذهبي، ورد الاعتبار إلى الغناء الشعبي على يد «زكريا الحجاوي».
وكان صعود فن الرقص الشعبي في تجربتي «فرقة رضا» و«الفرقة القومية للفنون الشعبية» علامة على نوع التجديد الثقافي، الذي زاوج بين الفنون الحديثة والفنون الشعبية.
لم يُمنع حق عن أديب اختلف، ولا صودرت رواية انتقدت. نشرت رواية «نجيب محفوظ» «أولاد حارتنا» كاملة على صفحات «الأهرام»، رغم الزوابع التي أثارتها. ونشرت في وقته وحينه روايات أخرى له انتقدت دون مواربة أوجه خلل عديدة في النظام الناصري.
سمح بعرض الشريط السينمائي «شيء من الخوف» عن رواية بالاسم نفسه ل«ثروت أباظة»، رغم الاعتراضات الرقابية التي تصورت أن «فؤادة» هي مصر و«عتريس» هو «عبدالناصر»، وأن الزواج بينهما باطل.
لم يوافق «عبدالناصر» على الاعتراضات الرقابية ف«نحن لسنا عصابة، وإذا كنا كذلك لا نستحق أن نحكم أو نبقى».
حدثت مضايقات متكررة من سلطات رقابية، أو أمنية، اشتكى منها مبدعون، أغلبهم موالون للثورة، لكنها وجدت في النهاية استجابات في مركز القرار.
بقدر وضوح المشروع أتيح لتجربة «ثروت عكاشة» نجاح كبير أضفى على «يوليو» إلهاماً ثقافياً يضارع ما أنجزته في تجربتها الاجتماعية، وكان خلل بنيتها السياسية كعب أخيل الذي نفذت منه كل السهام.

