Menu

م. ت. ف بين الطموح والقابلية للاستخدام

رؤية في مسيرة منظمة التحرير منذ النشأة

زكي أبو العيش

لا أدعي هنا أنني أمتلك الحقيقة، وإنما أطرح محض وجهة نظر كمحاكمة لموقف اليسار من منظمة التحرير، كعضو في الأول، وبالتالي عضو في الثانية، وأيضاً لست مؤرخا ولا أقصد من هذه القراءة أن أسرد تاريخا، فهناك من الكتب والدراسات في مجال التاريخ ما يغطي كل لحظة من حياة الإثنتين، وإنما أحاول أن أرى موضوعياً على الأقل من وجهة نظري، ما هو الأفضل، لو كان سياق الأحداث مختلفاً على ضوء النتائج التي نراها الآن واقعاً نعيشه، ومهما كانت وجهات النظر متباينة، إلا أن لا أحد ينكر أن المسألة الفلسطينية تواجه أزمة ومأزقاً تاريخياً، وربما يفوق المأزق الذي عايشته إبان النكبة عام 1948، الأمر الذي يحتاج بالفعل إلى قراءة جدية، واتخاذ القرار الصائب في معالجة القادم على ضوء التجارب السابقة.

لقد تشكلت منظمة التحرير منذ ما يزيد عن خمسين عاماً، ولا يختلف اثنان أنها تشكلت بناء على قرار من الجامعة العربية، في ظل تنامي المد القومي العربي بقيادة رئيس مصر الراحل " جمال عبد الناصر "، وصيغت بناها وهياكلها التنظيمية بما يتوافق وحاجة القوى العربية في ذلك الوقت، بمعنى أنها شُكلت للاستخدام في الصراعات مابين القوى العربية، لما تتميز به الحالة الفلسطينية من تعاطف شديد من الشعب العربي وقواه الوطنية، وظلت منظمة التحرير تتأثر بالحالة العربية من الناحية الرسمية، نظراً لأن صياغتها هي كذلك، وتخضع لهذه التجاذبات أو تلك، بدرجة أو بأخرى.

    ولا نستطيع القول أن م. ت. ف قد واكبت في هياكلها التنظيمية، وطرق اتخاذ القرارات، التطورات التي واكبت القضية الفلسطينية، وما كانت تستدعيه الضرورات من حاجة ماسة للتطوير، على اعتبار أنها صيغة جبهوية تضم كافة القوى الفلسطينية، وتعبر عنها بالحد الأدنى في برنامجها السياسي، و لا نستطيع إلا القول: أن ميثاق المنظمة الأساسي حاز موافقة جميع القوى الفلسطينية، نظراً لأنه مثل حالة متقدمة، تأثراً بالحالة القومية العربية آنذاك.

    لكن لم تكن المشكلة في البرنامج السياسي في حينه، وإنما كمنت المشاكل في الهياكل والبنى التنظيمية التي سيطرت عليها القوى اليمينية، المكونة من طبقة البرجوازية الصغيرة المتحالفة مع البرجوازية الكبيرة، الأمر الذي كان يحتم تطور هذه القوى نحو التصالح مع العدو في أقرب فرصة ممكنة، لتحقيق مصالحها الذاتية بعيداً عن المصالح الحقيقية للشعب والجماهير المتضررة، وبالتالي ستتخلى عن الميثاق الوطني الذي هو برنامج الاجماع الوطني. و أنانية هذه القوى جعلتها تسعى حثيثاً عندما واتتها الفرصة لأن تهيمن وتسيطر سيطرة تامة على مفاصل وقرار م. ت. ف، متجاهلة وظيفة هذه الأخيرة في تأطير وحشد جميع القوى والإمكانيات الفلسطينية في أتون المعركة على أساس ديمقراطي، و تعاملت معها على أساس استخدامي يحقق مصالحها فقط.

     ومنذ البداية كان لليسار رؤيته، حيث قام بتحليل الواقع الطبقي الفلسطيني، وخلص إلى أن البرجوازية الصغيرة هي من طبقات الثورة، ولكنها لن تستمر بها حتى التحرير الشامل، وإنما حتى تحقيق مصالحها، وبمجرد حدوث ذلك ستنقلب ضد القوى الجذرية وتعيق تطورها واستمرارها، وحذر من تسلل هذه الطبقة إلى مواقع القيادة أكان داخل اليسار، أو على صعيد الثورة الفلسطينية، وقد حدد في حينه أن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، كشقين متداخلين يؤثر أحدهما بالآخر، ولا يمكن فصلهما كما يحاول دائماً اليمين الفلسطيني، ليبرر هيمنته وسيطرته التامة على مفاصل العمل الثوري محدداً سقفه وآفاقه بما يتوافق مع مصالحه، ولا يسمح بالتطور الديمقراطي تحت ذريعة أن المرحلة هي مرحلة تحرر وطني لا تسمح بالديمقراطية، ليبقى متفرداً في القرار.

ورأى اليسار ذلك منذ البداية، فأية قراءة سريعة للاستراتيجية السياسية الصادرة عن مؤتمر الجبهة الشعبية الثاني عام 1968، ترى أنها ذهبت في عمق التحليل إلى أبعد من ذلك، حيث توقعت معاهدات سلام مع العدو من قبل هذا اليمين المهيمن، لا تلبي الحد الأدنى من حقوق شعبنا التاريخية، ولو تتبعنا وثائقها وتحليلاتها السياسية، وخصوصاً الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر الرابع، لرأينا بوضوح تام ما يجري اليوم من أحداث، ودقة توقعاتها، فلماذا لم تتخذ القرارات التي تمنع هذه الانزلاقات الخطيرة التي تهدد الحقوق، بل والمسار الوطني برمته إن استمر على هذا المنوال؟

لقد اعتمد اليسار قولاً وفعلاً مقولة: "الوحدة الوطنية أساس الانتصار"، وهذا صحيح بالشروط التي طرحها اليسار نفسه، وأهم هذه الشروط أن الثورة لن تنتصر إلا إذا قادتها الطبقات المسحوقة وفق برنامجها ونظريتها الثورية، لا أن تتبع هذه الطبقات برنامج طبقتي البرجوازية الصغيرة والكبيرة "اليمين" تحت أي ذرائع، وقد اعتمدت قوى اليمين على هذه المقولة في تدعيم سيطرتها وهيمنتها، وعدم خشيتها من القوى الأخرى خصوصاً اليسار، من أن يشكل لها خطورة على تفردها، بل وأكثر من ذلك أعطاها فرصة أكبر للتلاعب بهذه القوى لإضعافها، فدعمت الانشقاقات وعملت عليها، عدا عن الشائعات اللاأخلاقية التي بثتها وتبثها ضد اليسار وغيره، وقد مارس اليمين ذلك منذ تشكل منظمة التحرير حتى الآن للدرجة التي يعتبر فيها وجود هذه القوى وكأنهم ضيوف من الخارج لا يمتون ل فلسطين بصلة، وهو فقط الذي يحتكر القضية الوطنية، وعلى الآخرين الوقوف مكتوفي الأيدي متفرجين، ينتظرون رواتبهم آخر الشهر و التي قد لا تصرف كعقاب لهم على هذا الموقف أو ذاك إذا كان يختلف مع توجههم.

لا نختلف على أن منظمة التحرير خلال الخمسين عام التي مضت لم تحقق إلا إنجازاً واحداً، برغم تضاؤل بريقه مؤخراً، ويبدو أنه في طريقه للزوال، فقد شكلت عنوان للشعب الفلسطيني كممثل شرعي ووحيد، وحازت على الاعتراف من معظم دول العالم، ولكن هل يعني ذلك شيئاً لليمين المسيطر عليها؟ هل حاول أو يحاول الحفاظ على هذا الإنجاز بتطويره وجعله بالفعل صيغة جبهوية تؤطر قدرات الشعب وإمكانياته؟ أم يتعامل معه بمنطق الاستخدام بل والاستغلال لتنفيذ مآربه، كأحد الأدوات التي تخصه بمفرده، مستفيداً من انضواء اليسار وغيره تحت لوائه؟

    نحن لا نقصد المرحلة الأخيرة "التي يرأسها أبومازن" فحسب، وإنما نقصد منذ تشكيلها حتى الآن، لقد استخدمها المرحوم أبو عمار أيضاً طوال فترة رئاسته، حيث اختتمها باعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية "أحمد سعدات" وتسليمه للعدو بصفقة مشبوهة كان يعرف مسبقاً نتيجتها، ووقفت الجبهة متفرجة بحجة عدم الإضرار بالوحدة الوطنية، و ظل اليمين يمارس ما يريد، وظل اليسار يقول ما يريد، دون أن يشكل ذلك رادعاً لليمين، أو حتى ولو وقفة واحدة أمام المسيرة، لاكتشاف الايجابي والسلبي التي لطالما نادى بها اليسار.

    وأرى أن لنا الحق بالتساؤل: هل الإنجاز الوحيد بأنها ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني على أهميته أو أنها باتت تمثل كيانية الشعب الفلسطيني - بالرغم من المبالغة بهذا الأمر لأن الكيانية حققها الشعب الفلسطيني ويحققها كل يوم بتضحياته وصموده – يسمح لها أن تبقى مرهونة بيد اليمين لدرجة الاختطاف والخضوع لمنطق الاستخدام وقت الحاجة، والتمويت لحاجة أخرى؟!

هل شكلت منظمة التحرير طوال سنوات عمرها، أو في أي آونة صيغة جبهوية بالشكل والمضمون الذي كانت تطرحه الحاجة النضالية والحالة الثورية؟!

هل عُقدت المؤتمرات الوطنية إلاّ إذا كانت القيادة المتنفذة تريد تمرير أحد التراجعات أو التنازلات التي تخدمها في قضاياها الخاصة؟!

هل عمل اليسار- أو تصرف عملياً- طوال هذه السنين الطويلة بما يجعل منظمة التحرير صيغة جبهوية حقيقية قابلة للحياة والاستمرار؟ أم اكتفى بالحديث و التنظير دون أن يستطيع التقدم خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح؟!

ألم تقدم الجبهة الشعبية واليسار عموماً رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه منظمة التحرير في معظم أدبياتها، ولكن لم تقدم آليات عملية بمعنى ( كيف يمكن الوصول إلى هذا الطموح)، وظلت المطالبات والمناشدات والأمنيات والرجاءات حبراً على ورق، دون أن يرف لها جفن اليمين؟!

    لقد ظلت منطمة التحرير طوال عمرها مرهونة ومختطفة من اليمين الفلسطيني، مستفيداً منها في تمرير ما يريد، بحيث ظلت المنظمة تتراجع، بالرغم من إحراز بعض المكاسب هنا أو هناك، لم تكن بسالة اليمين هي من أحرزها، وإنما هي بسالة شعبنا التي جعلت الآخرين يعترفون بها، على الرغم أن هذه المكاسب لا تتوازى مع عطاء شعبنا وتضحياته، لأن الأمور بقيت مرهونة بسقف اليمين الهابط الذي يسعى دائماً لاستثمار الحالة الفلسطينية لمصالحه الخاصة، وبرنامجه الهابط.

ومر أكثر من خمسين عاماً من عمر الشعب الفلسطيني تحت قيادة منظمة التحرير التي يختطفها اليمين، ضارباً بعرض الحائط المصير الذي آلت إليه الأوضاع، غير آبه أو معترف بالنتائج الكارثية التي وصلت إليها القضية الفلسطينية تحت قيادته، بل ويصر على نفس المنهج لأنه يدرك أن القوى الأخرى من أمثال اليسار وغيرها، لن تفعل شيئاً فقد حددت سقفها بتأليه وتقديس المنظمة وستكتفي بالمطالبة والاستجداء، مما يجعل اليمين يقود وهو مرتاح وآمن الجانب، فلا يحسب أي حساب لأي من أحزاب اليسار منفردة أو مجتمعة، ممن هم على نفس الشاكلة يكتفون بالكلام، ويختبئون وراء "المقدسات السياسية" -علماً أن السياسة ليس بها مقدسات- ثم ينتظرون أن يقوم اليمين بالتغيير من تلقاء نفسه، وهذا في رأيي عبث متكامل، لأن الحقوق لا تعطى بل تنتزع، خصوصا إذا كان الحق موجود لدى بليد مستفيد.

    في اعتقادي أن المعركة داخل منظمة التحرير يجب أن تكون أكثر ضراوة من معركتنا مع العدو، صحيح أن تناقضاتنا داخل المنظمة تناقضات ثانوية، وغير تناحرية، ولكن يجب أن يكون لها الأولوية، لأننا لا نستطيع خوض أي معركة مع عدو شرس كالذي نواجهه، وبيتنا الفلسطيني مهترئ من الداخل، وبدون ترتيب بيتنا الداخلي على أسس صحيحة، فإننا سنظل نولى بالهزائم، ولانعرف إلى أين سيصل بنا التدهور، في ظل شهية الأعداء المسعورة.

لقد كان وما زال وسيظل تحديدنا لمعسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء، هو التحديد الصحيح، ولكن في ظل الانتقال الطبقي لفئات من البرجوازية الصغيرة إلى البرجوازية الكبيرة، وارتباط مصالحها مع الأعداء، ظلت هذه الفئات هي المسيطرة على المنظمة، وبالتالي على القرار الفلسطيني، وتدنت إلى الحضيض في برنامجها السياسي، الذي لولا استفادتها من وجود منظمة التحرير حتى الآن لقامت بإعدامها، بدون إعداد جنازة لها. ومع بروز اليمين الديني الرديف، حيث يعتبر نفسه الوريث الشرعي لكل نضالات شعبنا، ومن ضمنها م. ت. ف، وهو أيضاً يعيش بعقلية التفرد والهيمنة، ولا مانع لديه من ممارسة الفاشية ضد الغير ليبسط سيطرته وهيمنته، ونزعم أيضاً أن برنامجه وإن اختلف مرحلياً عن برنامج اليمين المتنفذ، إلا أنه على المدى غير البعيد سيصطف بنفس الخندق، ولكن بفتاوى دينية مقدسة، لأنه ينتمي إلى نفس الطبقة، وسقفه لن يبتعد كثيراً عن رديفه، وربما يكون أسرع في تدهوره السياسي نحو التسوية.

   إذاً والحال قائم بهذه الصورة، هل سنظل مختبئين وراء قدسية م. ت. ف تجرنا ورائها إلى الهلاك؟ أم ندق جدران الخزان كما لم تدق من قبل؟!

أعتقد أن من الحق ألا نهضم نضالات من سبقونا من الشهداء تحت راية منظمة التحرير، أن لا نبعثرها هباء، فقد استشهدوا اعتقاداً منهم أنهم يمهدون الطريق لمن بعدهم نحو فلسطين بالكامل، وإن كانوا يتفهمون على مضض البرنامج المرحلى، ولكنهم لم يقدموا دمائهم ليصبح هذا رئيس، وذاك مدير عام التنسيق الأمني، وآخر مديراً عاماً لتوزيع الأسمنت...إلخ. لم يقدم شعبنا كل هذه التضحيات من دماء الشهداء والجرحى ومعاناة الأسرى...، لكي يصبح رئيس فلسطين أقل من ممثل لمعتقل يحتوي على الشعب الفلسطيني، ويمارس عليه كل أصناف التعذيب الجسدي والنفسي، ولا يحق للرئيس (ممثل المعتقل) الاعتراض، بل ومطلوباً منه أن يدين ويستنكر أي ردة فعل من أيٍ من هؤلاء المعتقلين.

 لسنا بمعرض تعداد العطاءات والتضحيات التي قدمها ويقدمها وسيقدمها شعبنا، لأنها أكبر من أن تُحصر في أي موسوعات كانت، وإنما نحن هنا بمعرض المقارنة بين هذا العطاء، والنتيجة التي وصل إليها تحت قيادة منظمة التحرير، بقيادة اليمين، أضف إلى ذلك ما حدث من انقسام منذ العام 2006، حيث توزع شعبنا بدلاً من معتقل واحد بات في معتقلين منفصلين جغرافياً وسياسياً وأمنيا واقتصادياً...الخ، أحدهما يطلق عليه ضفة والآخر يطلق عليه غزة. ممثل معتقل هنا، ونواب ممثل معتقل هناك، وقمع وإفقار وتدويخ هنا وأكثر منه هناك من قبل ما يسمى سلطة وطنية هناك، ومقاومة إسلامية هنا.

 ألا يجب بعد هذه النتائج الكارثية، أن نقف قليلاً أمام أنفسنا، لنحاكم أنفسنا على ما فرطنا به من دماء الشهداء، التي لم تكن تمر مناسبة إلا ونقسم بها أننا ماضون على العهد حتى التحرير الكامل ؟!، وأقصد هنا الكل، منظمة التحرير بقياداتها المتنفذة وغير المتنفذة، فصائل كبيرة وفصائل صغيرة وفصائل داخل المنظمة وأخرى خارج المنظمة تعمل على هدمها، أو الاستيلاء عليها.

 قد يقول أحد المعترضين على كلامي، أنني سوداوي النظرة، أو أنني مغالي في وجهة نظري، ولكن يا سادة تقاس الأمور بخواتيمها، قد تمتلئ الطريق بحسن النوايا ربما، ولكن لا تقاس الأمور إلا بما هو حقيقي على الأرض، وقد أصبحنا في زمن تقاس به الأمور بالنانو، وانتهى عصر الشبر والباع، تقاس النتائج بالمقدمات، ولا تقاس بالتجربة والخطأ، لقد مضى ذك الزمن الذي يُعتمد فيه على الاستغفال والاستهبال، والعشوائية واللاعلمية، لنرى كيف يدور العالم من حولنا، ونحن لا زلنا نعيش بالعواطف والمجاملات، نرى الخطأ ونسميه صحيحاً، نُهزم ونسميه انتصاراً، نرى كل شئ مقلوباً، وندّعي أننا الأكثر دهاء، والأكثر ذكاء، والأكثر معرفة، والأكثر في كل شئ، بينما نحن في الآخر دائماً.

      قد يقول آخر يجب أن نأخذ الظروف الذاتية والظروف الموضوعية في الحسبان أثناء المحاكمة، فلكل حدث ظروفه، ولكل موقف تكتيكاته، ولكل قرار محدداته...إلخ. هذا صحيح، ولكن ليقل لي أحد منكم، أيٍ من القرارات إلتزمنا بمحدداتها؟ وأي موقف درسنا التكتيك الأصوب علمياً واتخذناه؟ أي حدث لم يكن إلا ردة فعل عشوائية على فعل سبقه من قبل الأعداء؟ لعلنا نستطيع التنظير كثيراً لما يجب أن يكون وما لايجب أن يكون، ولكن عند الأفعال نجد المبررات والتسويفات لعدم التنفيذ، ومبررات أقوى لقلب الحقائق، وأكثر ما في الأمر من غرابة، أن ذلك بات لدينا عادة مستديمة. الغرابة تأتي أننا نحاكم النتائج ليس على أساس أهدافنا وبرامجنا التي نحن الذين وضعناها، وإنما على أساس أهداف العدو وبرامجه، فإذا لم يحققها كاملة من وجهة نظرنا، إذاً نحن انتصرنا وهو انهزم، أما ما وضعنا من أهداف وبرامج، فلا يجب أن نحاكم على أساسها، فهي مجرد أوهام، أو مستحيلات تتحقق في زمن قادم ليس زمننا، تحت بند استراتيجي أو أي اسم آخر.

    إذا قال العدو سنقضي على المقاومة، ولم يتمكن من ذلك فهو انهزم ونحن انتصرنا، رغم كل الخسائر التي منينا بها، ولكن عندما نقول أننا سنضرب العدو في مقتل، ولن نتوقف إلا بفك الحصار ومطار وميناء ولم يحدث، فلأن الظروف الموضوعية والذاتية والمبررات أشكال وألوان هي مامنعتنا من توجيه الضربة، ولا نضع أي سبب أننا قصرنا في الإعداد والتحضير أو التخطيط.. إن قياس إنجازاتنا بعدم تحقيق العدو لكل ما قال أنها أهداف له أمر عبثي وضحك على الذقون وعلى النفس، وبمعنى آخر غرز للرأس في الرمال على طريقة النعامة. إن قياس التقدم أو التأخر، هو بمقدار ما تحرزه من أهدافك أنت، وليس بمقدار ما لم ينجزه العدو من أهداف، فهذا أمر يخص محاكمته هو لنفسه، وكما نرى فهو يقف في كل مرة أمام ذاته ويحاكمها ويتعلم منها، على عكسنا تماماً، إذ لم نقف ولو مرة واحدة، وإذا وقفنا فإننا نقف على طريقة "إذا أردت تبهيت موضوع، وتمييعه فشكل له لجنة" لا جدية ولا إمكانية للتخطأة أو الانتقاص من قدرات القائد الملهم، لأن ذلك يفيد العدو، أو على الأقل قد يقلل من هيبته.

    نعود لمنظمة التحرير التي حسب وجهة نظرنا أهدرت العديد من الفرص لتطوير أوضاعها لتتناسب مع عطاء وطموح شعبنا، وأهدرت الامكانيات العظيمة لشعبنا التوافق مع مصلحة هذا أو ذاك الزعيم أو ذلك البلد، وفي كثير من الأحيان كنا قادرين على تغيير المعادلة، أو على الأقل التأثير بها، ولكن أضعناها لخطأ في تقدير القيادة لضرورة القرار، أو الموقف في تلك اللحظة بالذات.

     ولكن ما دور القوى الثورية الجذرية التي تمثل الطبقات الكادحة والعمالية والفلاحية وتبنت نظريتها الثورية، عندما انضمت لمنظمة التحرير؟! ماذا فعلت طوال هذه السنوات إزاء التطوير الديمقراطي لكل البنية الفلسطينية، التي ترأستها وحكمت سياق تطورها، القيادة اليمينية التي تبنت الفكر الديماغوجي، والسلوك البراغماتي من البدايات، ولم تخف ذلك، بل ظلت تعزز سيطرتها وهيمنتها وتفردها بدون وازع، وأفشت الفساد والإفساد في المفاصل وغير المفاصل، بتخطيط وبدونه، بحيث بات لدينا طبقات وفئات وعصابات لا تخجل من عمالتها للعدو، ولديها الاستعداد لتوجيه السلاح لصدور شعبنا لتحمي الأعداء، دون أن تشغل نفسها بشرح المبررات؟! فعلى الشعب أن ينتظر نهاية الشهر ليستلم راتب قوت يومه، وإلا ستذهبون إلى الجوع إن لم يعجبكم.

     لقد توفر لنا في الأزمنة الماضية فضاء واسع للتغيير والتطوير، ولكننا أضعناه، وبات هذا الفضاء يضيق رويداً على مدار السنين التي أضعناها للدرجة التي صار يخنقنا ويقتلنا بالتدريج، فما عاد لدينا ترف انتظار فضاءات قد تتوفر مستقبلاً، وإنما التصرف الآن، إن لم نقل الأمس.

إن البقاء في نفس الخندق المضمون ولائه، لن يتقدم بنا أو بالمنظمة أو بالشعب قيد أنملة، وإنما سنذهب إلى مزيد من الكوارث، ولعل ما يدور من حوارات ثنائية منفردة بين اليمين المتنفذ واليمين الديني لتقاسم المنافع والمكاسب، يؤكد أن هذه الحوارات غير جدية، وغير مجدية، فالطريق نحو الاتفاق واضح لو كانت هناك نوايا حقيقية، فلماذا الذهاب إلى العواصم العربية هنا وهناك؟ ألا يشير هذا أن الأمر هو مجرد إرضاء لهذا النظام أو ذاك؟ نحن حركات وأحزاب ثورية في وطن محتل ومسلوب، نلجأ لأنظمة أقل ما يقال فيها أنها تدور في الفلك الأميركي الذي يعادي شعبنا علناً وسراً وبدون أي وازع من ضمير أو إنسانية.

 هل الصيغ الجبهوية الفعّالة المعضلة في صياغتها، أم المعضلة في تنفيذها؟! لماذا الهروب إلى الخارج واستبعاد شركاء الدم عن الصورة؟! هل المطلوب شراكة في الدم فقط ؟! أم هي ممارسة للإقصاء والتهميش؟! ألا ترون التشابه لدرجة التماثل بين الاثنين؟! أم تحتاجون إلى أكثر من ذلك؟!

   إن البقاء رهن الحبس هو المعضلة الحقيقية أمام اليسار والقوي الديمقراطية في الساحة الفلسطينية، والمشكلة أنها هي التي تحبس نفسها بما يقرره الآخرون ولا يلتزمون به هم أنفسهم. إن الوقوف مكتوفي الأيدي انتظاراً لقرارات الآخرين لا تدل إلا على قلة الحيلة والضعف، أو على الاشتراك في الجريمة. إن استخدام نفس الأدوات التي لم تثمر كل مرة وبنفس الطريقة، يجعل الأمر وكأنه ذر للرماد في العيون.

 تنتصب اليوم إن لم نقل بالأمس مهمة استعادة منظمة التحرير، وعدم البقاء في مربع رفض الانقسام والمطالبة بالمصالحة لأناس لا يريدون الاصطلاح، علينا الذهاب إلى الجذر وإصلاحه، يجب أن تشكل منظمة التحرير الحاضنة الحقيقية لكل القوى الفلسطينية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، رغبت بذلك فتح أو لم ترغب، رغبت بذلك حماس أم لم ترغب. إن إعادة صياغة منظمة التحرير على أسس جبهوية تعتمد برنامج الحد الأدنى سياسياً، وهياكل وبنى ديمقراطية تنظيمياً هو ما يجب الذهاب إليه.

 إن قدرة المنظمة على تأطير وتحشيد قوى وطاقات وإمكانيات وقدرات الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده بات أمراً لا يحتمل الانتظار، وهو ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، وأعتقد أنها أولوية على ما عداها من مهام. إذا كان العدو يبحث عن تحالفات جديدة في المنطقة من بين العرب، فالأجدر بنا أن نتوحد نحن الفلسطينيون، وأي رافض لذلك يجب اعتباره خارج عن الصف الوطني. لا يجب أن تبقى القوى الجذرية على محطة انتظار الآخرين، وإنما عليها أن تبادر هي بتشكيل نواة لاستعادة منظمة التحرير، بطرح الصيغة الديمقراطية سياسياً وتنظيمياً، وتدعو الآخرين للدخول فيها.

    إن هذا الطرح لايعتبر انفصالا، أو انشقاقا، أو بديلا، أو تجاواز، أو انسحابا، وإنما هو عملية ضغط قصوى على المتنفذين في كلا الطرفين، إن ائتلاف القوى الديمقراطية في فلسطين يجب أن يصيغ لنفسه أطرا تنطيمية، كنواة لمنظمة التحرير بهياكل تماثلها وتحديد أشكال التكوين، وأسس التمثيل على أساس النسبية، وإبداع بُنى تنظيمية قادرة على استيعاب كل من يريد الانضمام لهذا الائتلاف، والفكرة هنا بشكل عام عدم الانتظار، وإنما المبادرة والبدء، لأن الآخرين لن يتقدموا ولو خطوة واحدة إذا لم يُضغطوا، وببساطة إذا لم تعيدوا إحياء المنظمة على أسس سليمة، سنعيد نحن إحيائها.

    صحيح أن خطوة كهذه تحتاج إلى كثير من الدراسة وكثير من العمل الجاد، ولكن بقليل من الوقت، وستجد الهجوم عليها أكثر من ضار خصوصاً من قبل اليمين المتنفذ، ولكن لنا مبررنا، فقد انتظرنا أكثر من خمسين عاماً ولم يفلح الانتظار، وعليهم ألا يراهنوا على مزيد من الانتظار في مرحلة لا تحتمل أي انتظار. لقد أثبتت جماهير شعبنا أنها قادرة على تحطيم أي محاولة للتنكر لآمالها وطموحاتها في الحرية والاستقلال، والمناداة وإعادة الاستجداء لتكوين على الأقل قيادة موحدة للانتفاضة بات عبثيا،ً وكأننا نلقي بهذه الاستجداءات لإراحة أنفسنا من عناء المسؤولية التاريخية، أو التخفيف من عبئها.

وأتساءل هنا أيضاً: لماذا لا تتشكل لدينا جماعات الضغط السياسي التي تستطيع إسقاط القيادة وتستبدلها إذا خرجت عن الخط السياسي المتفق عليه؟ لماذا استطاعت الشعوب الأخرى تشكيل مثل هذه الجماعات؟ هل يكون الأمر أنهم أكثر تطوراً منا أو أكثر جدية؟ أم أننا لم نسعَ لذلك وبقينا تحت السقف الذي حددته لنا القيادة المستفيدة، لأنها تدرك انحرافها المقبل، وبالتالي فهي تحمي نفسها؟

لو درسنا التاريخ من هذه الزاوية سنجد أن الشعوب احتفظت بالنقيضين ضمن وحدة وطنية بشرط يتحقق الحد الأدنى من الأهداف المتفق عليها، ولعل في عدونا قدوة لنا، فتنوع الأحزاب لديه من متطرف وشديد التطرف وما يطلق عليه معتدل أو يسار... الخ، ولكن جميعهم يتفق على الحد الأدنى وهو بقاء الكيان الصهيونى، بل ويشكلون عامل ضغط على القيادة لعدم التفريط أو التنازل في المسائل الأساسية، وترون كيف تستثمر قيادتهم هذا الاختلاف في تصليب شروطهم بحجة الخشية من سقوط الحكومة.

      لقد لعب البوسنيون والهرسك نفس اللعبة، كان لديهم فريق يفاوض وما تعتبره أميركا والغرب معتدلاً، وفريق آخر يعتبر متطرفا يتبنى كافة أشكال النضال بما فيها العنف المسلح، الذي كان يعتبره الأميركان والغرب إرهاب، ولكن هذا الفريق كان ضاغطاً على الفريق الذي يفاوض ويمنعه من الانزلاق نحو التفريط، حيث كان لوحدتهم الوطنية برنامج الحد الأدنى، ولم يصطدموا قتالاً في أي يوم من الأيام.

     الثورة الفيتنامية ضمت الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في برنامج الحد الأدنى، وظلت تناضل متحدة حتى انتصرت على أميركا التي لم تتوان عن استخدام أبشع وسائل الدمار العسكرية... هؤلاء وغيرهم الكثير استطاع بناء جبهته الوطنية الملتزمة بالحد الأدنى المتفق عليه.

ولسنا هنا بمعرض مناقشة جميع التجارب التي خاضتها الشعوب، ولكنها جميعها نجحت في دحر الاستعمار وبناء الذات المستقلة، ما عدا نحن، فقد بقينا نراوح في المكان، بل ونتراجع بشكل مضطرد، وبدون تغيير في المعادلة الداخلية لماذا؟! لماذا لا نستطيع ممارسة اللعبة التي مارسها غيرنا خلاف في الظاهر، ولكن اتفاق في الباطن؟! هل لأن قيادتنا معصومة من الخطأ؟! أم لأنها مرسلة إلينا من السماء؟! هل من العيب تغيير القيادة أم أن الفئوية ذبحتنا، وممنوع حتى الانتقاد أو طرح وجهة نظر مغايرة؟!

السؤال الأبرز هنا، إلى متى ستظل العصابة على الأعين، لقد آن الأوان للتجديد والتغيير، الذي إن لم نحدد بوصلته بوعي وفي الطريق الصحيح، فإن التغيير والتجديد سيتجاوزنا، ولكن لا ندري إلى أين سيوصلنا؟! فما يحدث في الدول العربية من تفتيت وإهدار دماء وتحطيم مقدرات، وما حدث لدينا من نكبات ونكسات وحروب، لمؤشر لما سنؤول إليه إن لم نصحح أوضاعنا.

     إن اتخاذ الموقف أو القرار الصحيح في اللحظة المناسبة به مشوار طويل من النصر، ولكن إضاعة اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر، هو تقاعس لا يحتاج إلى كثير أو قليل من التبرير.