Menu

الفضائيات واللهجات المحليّة

فيصل الياسري

أردت أن أتابع أخبار المجزرة الإرهابية على ساحل سوسة من المصادر الإعلامية القريبة منها، فتحولت إلى الفضائيات التونسية فوجدتها مهتمة بأخبار الحدث المفجع وتفاصيله ونقل آراء المواطنين، لكنني شعرت بحزن شديد لأنني لم أفهم معظم ما كان يقال، فأكثر المتحدثين كانوا يعبرون عن آرائهم بلهجة مشبعة بالعامية، ليس فقط بالمفردات وإنما أيضا بإبدال الحروف ودمج الكلمات وإدغام الجمل واستعمال مفردات دخيلة واضطراب مخارج الحروف.

قد أتفهم حديث مواطن ينطق بالعامية القح بصورة عفوية في الشارع أو المقهى، ولكنني لا أتفهم أن أرى مجموعة من الصحفيين والمثقفين في مسيرة احتجاج يحللون ما جرى في تقرير إعلامي برطانة عامية لم أفهم منها إلا بضع كلمات، ثم تظهر على الشاشة مذيعة رسمية تنطق بضعة جمل مفهومة ثم تتحول إلى صيغة عامية مفعمة بالدارج لا تتناسب مع البث الفضائي عبر وسيلة إعلامية تتخطى حدود البلد.

لست ضد اللهجات المحلية التي يستعملها عامة الناس ـ مشافهة ـ في حياتهم اليومية، فهي حصيلة تاريخية تحتمها ضرورات التعامل اليومي بين البشر لتسهيل التفاهم والتواصل، ولكن الكلام عبر الفضائيات التي تنقل كلامنا إلى أبعد من حدود الوطن، يتطلب تشذيب وتهذيب ليفهمنا جمهور عربي يهتم بأخبار وثقافة وفنون بلد شقيق.

يظهر الوضع اللغوي البائس بصورة جلية في القنوات العربية التي تصر على استخدام اللهجات العامية بإفراط، دون أن يخالج أصحابها أدنى شعور بأنهم بهذه الطريقة يسارعون في هدم لغتهم الأم وتحطيم كيانها، فاللغة -كل لغة- هي هوية الأمة وأحد مقومات وجودها واستمرارها، وخاصة اللغة العربية التي تحتضن تاريخا مشتركا وتراثا لأكثر من عشرين بلدا، وهي السبيل لفهم الدين الإسلامي ونصوص كتابه الجليل .

حتى دعاة الفصحى المبسطة في الفضائيات لا يطالبون بإلغاء اللهجات العامية من البرامج التلفزيونية، فهنالك برامج لا يناسبها إلا اللهجات المحلية، ولكنها ينبغي أن تكون مشذبة مهذبة متوازنة تناسب الوسيلة الإعلامية التي تخطت الحدود، وليس المطلوب أن تكون لغة الإعلام فصيحة كلغة الأدب الرفيع، بل أن تكون مفهومة بحسب تقبل التراكيب الشائعة.

أما دعاة استخدام العامية، فيزعمون أن العاميات هي الوسيلة المثلى لاستقطاب الجمهور، وخاصة “البرامج” الترفيهية، ولا أتصور أن استبدال كلمة ثقافة إلى سآفة كما في اللهجة اللبنانية أو كلمة دجاجة إلى دياية كما في اللهجات الخليجية، أو استعمال كلمة جرباية بدلا من سرير باللهجة العراقية، سيجعل من البرنامج أكثر شعبية وقبولا وأكثر مشاهدة وانتشارا.

إن الواقع العملي أثبت أن انتشار المحطات الفضائية في الوطن العربي ليس مرهونا باستخدامها العامية إطلاقا، والدليل على ذلك أن أهم القنوات العربية التي تحظى بمتابعة كبيرة تعتمد العربية الفصحى المبسطة في معظم برامجها، كما أن أكثر برامج الأطفال العربية انتشارا ومتابعة هي التي تستخدم لغة عربية فصحى مبسطة ومألوفة.

ومن أشهر برامج الأطفال العربية وأكثرها انتشارا هو برنامج افتح ياسمسم، الذي أشرفت على إنتاجه وإخراجه طوال عشر سنوات وكان بالفصحى السليمة المبسطة، وما زال الناس يذكرونه بعد ثلاثين سنة، وعندما يعرفون أنني مخرج افتح يا سمسم يتمنون علي أن نعيد إنتاج هذا البرنامج المعرفي التربوي الذي لم يجد الأطفال العرب من المحيط إلى الخليج صعوبة في فهم مضامينه أو النفور من لغته الفصحى السليمة دون تعقيد، وما زال الكبار حتى اليوم يرددون أغانيه التي سمعوها عندما كانوا صغارا.

ويدهشني من يدعي أن أغلب الناس -بسبب الأمية- لا تفهم الفصحى، فهذا أمر مغلوط جدا فحتى الشخص الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب يعيش في بيئة لغوية مفعمة بالفصحى: فهو يسمع القرآن بالفصحى ويفهم معانيه بالرغم من صعوبة بعض ألفاظه، ويصلي بالفصحى، ويحفظ الحكم والأقوال بالفصحى، ويسمع نشرات الأخبار بالفصحى ويسمع خطب السياسيين والزعماء بالفصحى، ويتابع المؤتمرات بالفصحى ويفهمها.

البعض يتحدث عن دور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في تعميق وإغناء وتقوية لغتنا العربية، وفي تكوين وعي لغوي محدد، يفترض أن يكون إيجابيا باعتماد سياسة لغوية واعية تؤسس لاستخدام سهل سليم بسيط بعيدا عن تعقيدات اللغة أوجفافها، وربما يكون من الأجدى والأكثر واقعية اعتماد لغة محكية وسطى بين الفصحى والعامية لإنتاج برامج تلفزيونية مفهومة تمتاز بالوضوح والبساطة تستعين بالعامية وتتكئ على الفصحى السلسة.

من يومين شاهدت عملا دراميا جزائريا متقنا فنيا وإخراجا وآداء، كم تمنيت أن أفهم ما يقوله الممثلون الزاخرون بالحيوية والإتقان.

إن محاكاة الواقع في الأعمال الفنية والإعلامية لا تتم فقط باللهجات المحلية المليئة بالعيوب والغارقة بالإبهام والزاخرة بالألفاظ الدخيلة والأعجمية والمثقلة بالمفردات المحلية القح التي تختلف معانيها من مدينة إلى أخرى حتى في ال قطر الواحد ‏ بلا حسيب أو رقيب.

 

نقلاً عن: العرب