Menu
أوريدو

انسحاب أم تسوية سياسية

حاتم استانبولي

قبل عاميْن، أعلن ترامب أنه يريد لقواته أن تعود من سورية لكون سورية ليست جزءًا حيويًا للمصالح الأمريكية واستمرار وجود قواته يتطلب من الممكلة السعودية أن تمولها وتمول عمليات التحالف.

سارعت السعودية بتلبية طلب ترامب وأعلنت عن 500 مليون دولار تُخصص لتمويل الحملة الأمريكية شرق الفرات بما فيها تدريب وتمويل قوات (قسد).

قرار البيت الأبيض المفاجئ للبعض بسحب القوات الأمريكية جاء نتيجة التسوية الثلاثية بين السعودية والإدارة الأمريكية و تركيا حول تسوية مقتل خاشقجي في قنصلية المملكة في اسطنبول.

على ما يبدو أن نتيجة الحوارات لتسوية القضية خلصت إلى أنّ أسهل ضحية من الممكن تقديمها للرئاسة التركية هي الأكراد وحلفائهم لعدة أسباب.

السبب الأول: أن انتصار سوريا وحلفائها أسقط قانونيًا الفكرة التي سعت إليها بعض مراكز القوى في الإدارة الأمريكية لتشكيل جيب كردي شرق الفرات لكون هذه الفكرة ولدت ميتة، ولا إمكانية لها للحياة قانونيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا وتتصادم مع أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة والعضو في الحلف الأطلسي الذي تمنع قوانينه أن يقوم أي عضو بأعمال قد يفهم منها تقويض الأمن القومي لأحد أعضائه .

ثانيًا: الموضوع الكردي في سورية ليس له أي أفق قانوني خاصة أن أي إطار سياسي منفصل أو فدرالي يتطلب موافقة دمشق أولًا، ومجلس الأمن الدولي ثانيًا، وهذا لن يتوفر بسبب الموقف السوري والدولي والإقليمي الذي يؤكد على وحدة الأراضي السورية وتماسك الدولة السورية.

ثالثًا : التغييرات التي طرأت على الموقف السعودي نتيجة الضغط السياسي التي تركته جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي, هذه التداعيات التي أجبرت المملكة على أن تتنازل لتركيا عن أسهل ورقة تملك قرارها، وهي وقف دعم الحملة شرق الفرات، والتي جاءت نتيجة لتفاهمات ثلاثية. سقوط الورقة الكردية يعتبر إنجازًا للرئيس أردوغان، ويعيد رصّ صفوف الداخل التركي الذي شهد بعض الشروخ نتيجة موقف التيار القومي المتشدد.

الانسحاب الأمريكي يعطي الأكراد فرصة ضئيلة لإعادة تموضعهم بقرار سريع وحاسم بالعودة إلى حضن الدولة السورية وإعطاء دور للدولة وجيشها في مجابهة الأخطار الخارجية.

الانسحاب الأمريكي كشف الأكراد وحلفاءهم، إن كان شرق الفرات أو جنوب سوريا، وأسرع انسحاب سيكون من قاعدة التنف، وهذا سيشكل انكشافًا للقوات المدعومة ويتركها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الانسحاب جنوبًا وهذا ما لا تقبله الدولة الأردنية، وإما الاستسلام للجيش السوري؛ ولذلك سارع وزير الخارجية الصفدي بالحديث مع زميله الجبير لتنسيق الخطوات ومناقشة الرؤية المستقبلية بشأن سياسات كل منهما اتجاه سورية ومصير تنظيم مغاوير الثورة في التنف.

على ما يبدو فإن هنالك انطباعات سريعة تتداول بشأن أفضل مخرج لحفظ ماء الوجه للدول الداعمة للتنظيمات الإرهابية للخروج من مأزقها السياسي، والذي سيكون من خلال اقتراح ترك مصير هذه التنظيمات للدولة السورية وجيشها على الصعيد الميداني وسياسيًا بعودة سوريا إلى الجامعة العربية.

والمؤشرات تشير إلى أن زيارة البشير إلى دمشق لم تكن لتتم بدون تنسيق مع الرياض التي بعثت برسالة إلى دمشق من خلال أقرب حلفائها في الميدان اليمني.

المؤشرات تشير إلى أن الموقف من سورية كان سببًا في تشتت الموقف العربي وانهيار في المنظومة السياسية الرسمية، وأدرك الجميع أن سورية هي مفصل مهم وعقدة جامعة للموقف الرسمي والشعبي، وسورية فقط ممكن أن تشكل رافعة للموقف الرسمي والشعبي وقناعة ترسخت للجميع أن المنطقة مستهدفة بإمكانياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية بغض النظر عن سياسات دولها.

عودة سورية لا يمكن أن تكون عودة بلا ثمن سياسي واقتصادي واجتماعي.

الدرس السوري أكّد أن قوة الدول تكمن في وحدة مجتمعاتها على قاعدة سيادة العمل الديمقراطي بينها وبين منظوماتها ومجتمعاتها، والحوار هو الطريق الوحيد لحل كل التعارضات بين منظوماتها على قاعدة المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

الاستثمار في البناء الاقتصادي والمجتمعي والسياسي هو الضامن الوحيد في حل مشكلات أنظمة المنطقة والخيار الديمقراطي من خلال الحرية بكافة تلاوينها التي تعزز بالمشاركة الشعبية وتوثق بوحدة المصالح لدول المنطقة هي الطريق لحل كافة إشكاليات المنطقة.

سورية كانت مفصلًا للخلاف وسورية من الممكن أن تكون بوابة للاتفاق من أجل التعاون العربي والإقليمي على قاعدة المصالح الوطنية المشتركة لشعوب المنطقة وتصحيح بوصلتها بأن العدو الوحيد هو الطرف المستفيد من التعارضات والتناقضات وتعبيراتها السياسية والدينية والمذهبية.

لقد أكدت أحداث المنطقة أن اسرائيل وأعوانها هم المستفيدون من خلافات فترة السنوات السابقة.

لقد كانت سورية ومن خلال تأكيدها على مركزية القضية الوطنية الفلسطينية مركزًا داعمًا لقوى التحرر الوطني الفلسطيني والعربي، ورغم كل التآمر الذي تكالب عليها خرجت منتصرةً، ورغم جراحها ما زالت تقول أن فلسطين هي البوصلة للوحدة العربية، وتونس التي كانت مكانًا لعزل سورية ها هي تُقرّ أن ما حدث لسورية كان نتيجة لمؤامرة مدبرة وعودة سورية ستكون من الباب الواسع للعمل العربي المشترك.

الدرس الكردي أكد أن سياسة الاعتماد على الخارج لتقويض الداخل هي سياسة عبثية سيدفع ثمنها صانعوها. الأكراد جزء من هذا الوطن والنسيج الاجتماعي والتاريخي، للمنطقة وحل إشكالاتهم يتم من خلال حل إشكالات المجتمعات التي هم جزء منها.

الموقف الأمريكي أعاد تأكيد أنه لا يوجد لهذه الدولة أصدقاء ثابتون، إنما هي مصالح ثابتة، والعامل الثابت الوحيد في المنطقة بالنسبة لها هو إسرائيل ومصالحها، التي يعتبرها جزءًا من الأمن القومي الأمريكي وبقية الأصدقاء العابرون يجب عليهم العمل على حمايتها.