Menu
أوريدو

لماذا حل المجلس التشريعي الآن؟

حاتم استانبولي

أثيرت العديد من التساؤلات حول حل المجلس التشريعي الفلسطيني بالرغم من عدم فعاليته، إذ وُلد المجلس ميتًا ولم يمارس مهامه الطبيعية.

حل المجلس التشريعي جاء بعد تصريحات مثيرة للتساؤل أطلقها كلٌ من رياض المالكي وصائب عريقات، الأولى تضمنت أن صفقة القرن من الممكن التعاطي الإيجابي معها إذا ما أخذت المصالح الفلسطينية بعين الاعتبار، والثاني حول اتفاقية باريس والتي طالب عريقات أن يتم إعادة النظر بها.

أما الجانب الأهم، فهو تصريح حسين الشيخ عن اجتماعاته مع الجانب الأمني الإسرائيلي، وبطلبٍ من الرئيس. هذه التصريحات والاجتماعات تعطي مدلولًا مفاده أن فريق أوسلو لم يخرج من فقاعتها، وكل القرارات والتصريحات التي أُطلِقت حول وقف التنسيق الأمني أو التفاوض، هي لذرّ الرماد في العيون وحتى الموقف من صفقة القرن على ما يبدو ليس جديًا، وإنّما سيتمّ التعاطي معها بشكل إيجابي.

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القرار المفاجئ لنتنياهو للذهاب إلى انتخاباتٍ مبكرة بعد أن كان يرفضها ويعتبرها تضرّ بالمصالح الإسرائيلية، بالإضافة إلى قرار حل المجلس التشريعي الفلسطيني، ومن الممكن أن نشهد تطورات مفاجئة في الجوار الإقليمي تحاكي هذه التطورات الفلسطينية- الإسرائيلية؛ لتتلاءم مع المستجدات المستقبلية التي ستفرضها صفقة العصر الذي أعلن عن تأجيل طرحها للربيع القادم. نيكي هيلي في إطار خطابها الأخير في مجلس الأمن أشارت إلى أن صفقة القرن أصبحت جاهزة، وقرار الإعلان عنها يحتاج تهيئة ظروف مناسبة إقليمية لها. كل الحركة السياسية التي أعلن عنها، من حل برلمانات، وانسحاب أمريكي، ومراوحة مصرية بشأن المصالحة، ودعوة هنية إلى موسكو، وضغط اقتصادي على الأردن، وإعلان عن ائتلاف فصائل اليسار الفلسطيني من على قاعدة الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية ومحاربة تشكيل قيادات بديلة، كل ذلك يتم تحضيره من أجل استقبال استحقاقات صفقة القرن، كلٌ مِن على قاعدة رؤيته السياسية للمرحلة القادمة.

ولكن المؤكد أن صفقة القرن ستفرض واقعًا سياسيًا جديدًا، خاصة أن إخراج القدس من الحوار، وحسم خيار مستقبلها على قاعدة الوصاية السياسية الإسرائيلية وإخراجها من التداول الديني، منذ قرار الاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة اليهودية، وإعلان يهودية الدولة، والهمرجة والصراخ اللذان رافقا القرار كانا مدروسين، وسقفهما كان مُحدّدًا.

نتائج ردّات الفعل تعطي لكوشنير وربعِه في المنطقة ضوءًا أخضرَ في تمرير ما يريدونه من قرارات لتصفية نهائية لقضية الشعب الفلسطيني الوطنية. لقد ضمنت إسرائيل وبدون أي تفاوض، شرعيتَها على ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية، وتفاوضٍ على الربع المتبقي، وضمنت إسقاطَ حق العودة للاجئين وبموافقة قيادة السلطة الفلسطينية، وكل ما يطرح من قبل السلطة حول العودة ليس جديًّا، وفقط للتهدئة الداخلية.

معطيات الواقع تقول: إن كل التغييرات التي ستحصل هي مطلوبة لاستحقاقات صفقة القرن، إن كان في السلطة أو إسرائيل أو الإقليم، وأن صفقةً شاملةً يتمُ التحضيرُ لها سيكون الخاسر الأكبر فيها القضية الوطنية الفلسطينية، وتحديدًا قضيتا العودة واللاجئين.

إن التعاطي مع الضفة سيكون على قاعدة أنها مشكلة سكانية يجب أن تحل في إطار التفاهم الثلاثي الإسرائيلي- الأردني- الفلسطيني، وأن أي حلٍ لمشكلة اللاجئين سيتم في إطار العلاقة الأردنية- الفلسطينية، التي تعتبر أن وضع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن والذين يشكلون الكمّ الأكبر قد حُلَّ على مدار عشرات السنين السابقة. كما أن الحل الاقتصادي الذي سيُطرَح على الأردن وفلسطين سيشكل عاملَ ضغطٍ سياسيّ، وأن هذا الحل الوحيد المطروح وبديلُه جاهزٌ، إن كان سياسيًا أو اقتصاديًا، وهنالك قوى مستعدة وجاهزة للسير في استحقاقات صفقة القرن.

إن سقف ما ستصل إليه التطورات في غزة هي:

أن شكلًا سُلطَويًا سيتم الاعتراف به في غزة، يحاكي طموحات ورغبات حركة حماس في استمرار حكمها في القطاع، مع تسهيلات مضبوطة في الجانب الاقتصادي تتكفل به كلٌ من الدوحة وأنقرة، بما يضمن أن تبقى إسرائيل هي العامل المشترك بين الدوحة وأنقرة والقاهرة وعمان؛ أي إن إسرائيل وظفت الخلاف بين هذه العواصم لمصلحتها في السيطرة على تمرد وانتفاضة أهلنا في غزة.

إن الضغط الاقتصادي اليومي سيفرض وقائع سياسية جديدة في هذه العواصم تحاكي صفقة القرن واستحقاقاتها، وهذه الحالة تتطلب من ائتلاف قوى اليسار الفلسطيني أن يطرح رؤية وطنية واقعية تخرج من عباءة أوسلو وتقف في وجه طموحات ورغبات حماس السلطوية.

إن اعتماد سياسة قائمة على التغيير المستند للقاعدة الشعبية، وخاصة في مخيمات الشتات والداخل، وإعادة تركيب البناء السياسي الفلسطيني من القاعدة للقمة، هو الكفيل بضمان تغيير المشهد الفلسطيني وفرض وقائع ميدانية تجابه استحقاقات صفقة القرن.