Menu

محنة التنمية الاقتصادية

سائدة خليل عبده

كثيرون (وأنا واحدة منهم) يشعرون بالضيق أثناء تنقلهم في الشوارع والأسواق والمولات، ومبعث هذا الضيق يعود إلى كثرة المحلات التجارية وتنوعها واكتظاظها بالسلع حدّ الاختناق، فإن وقع اختيارك على ما كنت تسعى لاقتنائه والحصول عليه فإن التردّد أوالامتناع عن حيازته يعود إلى حجم السلع التي تتفنن الأرفف والباعة بعرضها عليك! وإن رغبت بشراء صنف من أصناف الطعام أو الشراب على سبيل المثال فإن التنافس الحادّ الصادرعن تعدّد الشركات الأجنبية -بالطبع غير المحلية- المصنِّعة لتلك السلع يضعك أمام صعوبة مواجهة الاختيار! عداعن إغراءات تخفيض الأسعار (التنزيلات) غير الحقيقية في معظم الأحيان التي تغطي المساحات الواسعة في وسائل الإعلام وتلك المرسلة إليك عبر الفضائيات والأخرى التي تتربع بأريحية في صندوق بريدك بحلة لافتة للانتباه من الورق المصقول والألوان الصارخة، عدا اللوحات الدعائية الفارهة المنتصبة على أطراف الشوارع والأوتسترادات التي تعكس بمجموعها ذكاءً خارقاً وأفكاراً جهنمية توظف لجذب المتسوقين وتنشيط الحركة التجارية.

إلى هنا لم ينته الأمرعند هذا الحد فقد زاد الولع في التجارة وذراعها الأيمن «عملية التسويق» بأن أدرجت مادة التسويق كمادة للتخصص في المعاهد والجامعات على اختلافها ومنحت درجة الليسانس والماجستير والدكتوراة بتقادير جيد/ جيد جداً/ امتياز في تلك المادة وفيما تفرّع عنها من تخصّصات.

ما الاعتراض على ذلك؟ ما الاعتراض على غزو البضائع المستوردة للأسواق؟ ما الاعتراض على التجارة كمصدر من مصادر الرزق؟ ما الاعتراض على زيادة الدخول؟ ما الاعتراض على التمتع بنعم الحياة من ملبس ومأكل ومشرب؟ ما الاعتراض كذلك على الاطلاع على زبدة ما انتجه الغير-دول الغرب وأميركا وجنوب شرق آسيا وغيرها- في الحقول العلمية والمعرفية من تكنولوجيا وغيرها؟ باختصار ما الاعتراض على الانفتاح الاقتصادي بكل أشكاله وألوانه على الغير؟ ولماذا نتصدى لقطاع الخدمات ما دام السوق المحلي يفتقد تلك المنتوجات؟

تلك الأسئلة هي أسئلة مشروعة لا غبار عليها إن نظرنا إليها من منظور العرض والطلب المسطّح، أي من منظور الأفق التجاري البحت، أي من خلال عملية البدل والاستبدال «فالأسواق التجارية» تقدم معروضاتها المتنوعة من جهة «والمواطنون» يستهدفون من جهة أخرى تلك الأسواق لتلبية احتياجاتهم العديدة دون ضغط أو إكراه. هذه الرؤية ذات البعد الواحد تقودنا إلى استكمال البعد الثاني وإعادة النظر فيه، فالمقايضة المتمثلة في الانحياز إلى عالم «المجتمعات الاستهلاكية المتأخرة» في مقابل (بدل) الانحياز إلى عالم «المجتمعات الانتاجية المتقدمة « هي مقايضة تطيح بأركان المجتمع ليس اقتصادياً وتنموياً فحسب بل سياسياً واجتماعياً أيضاً، فهي تجذّر التناقضات الاجتماعية وتعمّقها وتبلور التقسيم الاجتماعي، فالاستثمار في التجارة على حساب الاستثمار في الصناعة والزراعة لغايات الربح، والربح السريع! كما ذكرنا، يؤدي في النتيجة إلى نمو قطاع الخدمات وانخفاض معدل نمو الناتج القومي وبالتالي ارتفاع سقف المديونية، وسيكون هذا في صالح الطبقة الغنية في المجتمع وليس في صالح الطبقة الفقيرة التي ستزداد فقراً كلما ازدات الأخرى غناءً وثراءً، مما يعني انتشارالبطالة واستفحال الفقر وهذا يساوي بالمفهوم الطبقي غياب العدالة الاجتماعية وظهور ما يسمى بالظلم الاجتماعي أو ما يسمى التقسيم الاجتماعي. «الاستثمار في التجارة» بعيداً عن بناء قاعدة إنتاجية عمادها الصناعة والزراعة الجادة كما ذكرنا، والتركيز على «الاستهلاك» أكثر من التركيزعلى النمو والانتاج، أطاح بأحلامنا وتطلعاتنا وطال كذلك هويتنا الوطنية التي أصابها أيضاً ما أصاب مختلف ركائزنا الوطنية والاجتماعية من تهشيم وضرر، فالانفتاح الاقتصادي على الآخر هو أحد أضلاع المعضلات التي تواجهنا، ومظاهر هذا الانفتاح الاقتصادي معبَّر عنه أيضاً في شكل «الأنماط الدخيلة» التي غزت مجتمعنا مادياً واجتماعياً، وفرضت علينا النمط المستورَد بما يعكسه هذا النمط من تقمّص شخصية الآخر وخصوصيته وتقمّص المستوى الرفيع الذي وصل إليه بجهوده وعرق جبينه حتى نكون منصفين.

الانفتاح الاقتصادي هو باختصار خلاصة عملية مدروسة تقف وراءها طموحات مادية ورغبة جامحة في توسيع قاعدة الثراء في زمن قياسي قصير ودون كدّ وتعب ودون مساهمة جادة في تنمية الانتاج وعلى حساب القاعدة العريضة من الناس والمهمشين والمعزولين، الأمر الذي يدعو إلى التوقف الجاد لتفحص موضوع أزمة التنمية في مختلف أوجهها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والبحث في درجةالانفتاح المطلوبة على العالم، ووضع الأصبع على الجرح وهو الجرح الأعمق والمتمثل في الدور الذي تقوم به هذه الطبقة الاجتماعية فيما يجري على أرض الواقع.