Menu

دبلوماسية عض الأصابع إلى متى؟

حسين الجمل

واضح أن هناك من يخطط ل غزة ويوصل الأحداث ببعضها قبل خفوت وميضها وإنزياح أثرها، وإلا لم تكن غزة تعج بالتطورات الدراماتيكية التي امتلأت أجندات المتابعين والمهتمين بالشأن الداخلي بها من فصائل وقوى ومنظمات أهلية وغيرها.

ففي الأيام القليلة الماضية تناولت وسائل الإعلام الفلسطينية خبر مفاده أن حماس وجهت رسالة تهديد إلى دولة الاحتلال عبر الوسيط المصري، نقلا عن التلفزيون الرسمي الإسرائيلي "مكان"، وقد جاءت حدة الرسالة على أثر تصعيد إسرائيلي شمل قصف مواقع ومنشاّت تابعة للمقاومة في قطاع غزة.

تهديد حماس حمل عنوانين:

الأول، التهديد بسحب أفراد الضبط الميداني المنتشرة على طول السياج الأمني ومهمته منع أي تصعيد أمني، أو الاقتراب من السياج الفاصل، وفق التفاهمات الأخيرة التي رعتها الشقيقة مصر والمبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف.

أمّا العنوان الثاني، التحذير من تدهور الأوضاع الأمنية في حال عدم دخول الأموال ال قطر ية التي توفر رواتب ومساعدات إلى عشرات الآلاف من موظفي حماس وأسر محتاجة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها الحاجة المتبادلة لاستمرار الهدوء من قبل دولة الاحتلال و حركة حماس . وكانت حركة حماس ودولة الاحتلال قد توصلتا إلى تفاهمات "هدوء" أوائل نوفمبر 2018، بعد أن تعذر الوصول إلى تهدئة بسبب موقف السلطة، والذي اشترطت التوقيع على أي تهدئة تدعو لها إسرائيل، حيث نصت هذه التفاهمات التي ساهمت في الوصول إليها إلى جانب مصر جهات عربية وأممية، والتي ضمنت استمرار مسيرات العودة على أن يتوقف إطلاق البالونات الحارقة واجتياز السلك الفاصل وغيرها من استخدام الأساليب "العنيفة" وإشعال الإطارات.

أما من الجانب الإسرائيلي الالتزام بإدخال السولار القطري لمحطة توليد الكهرباء، وإدخال الأموال لصالح موظفي حماس والأسر المحتاجة، وإقامة مشاريع المياه والصرف الصحي, وتوفير 50.000 فرصة عمل، وتوسيع مساحة الصيد لتصل الي 20 ميلا.

ما الذي تحقق؟

لعل أبرز ما تم تحقيقه دخول دفعتين ماليتين على شهرين متتاليين، والسولار لصالح محطة الكهرباء وفرص عمل محدودة.

ولقد كان أول اختراق فاضح "لتفاهمات الهدوء" عندما اكتشفت القوة الخاصة الإسرائيلية شرق خان يونس 11/11/2018، والذي بدوره دفع غرفة العمليات المشتركة للفصائل للرد على هذا الاختراق الخطير بالتصعيد العنيف الذي شمل إطلاق عشرات الصواريخ والقذائف تجاه المستوطنات الإسرائيلية، إلاّ أنّ الوسيط المصري والأممي، استطاعوا تثبيت التهدئة مجددًا، بعد جولة استمرت 48 ساعة، كادت أن تعصف بالهدوء والتحسينات والانفراجات الموعودة، إلاّ أنّ دولة الاحتلال لا زالت تماطل في تنفيذ البنود المتفق عليها، خاصة إنها تستخدم ورقة الأموال القطرية بحجج وذرائع مختلفة بشكل أقرب إلى الإبتزاز، حيث تبدأ الحالة الأمنية الغزية بالانشداد مرة أخرى، إلى أن يتحرك الوسطاء مجددا للتأكيد على الالتزام ببنود التهدئة وهكذا دواليك.

فإذا ما استمر الاحتلال بالمماطلة والتسويف في تنفيذ استحقاقات الهدوء على مستوطنات ما يسمى "بغلاف غزة" هل سنكون أمام جولة تصعيد عسكرية جديدة؟ أم أن تطورات الأوضاع داخل دولة الاحتلال وتقديم موعد الانتخابات باتت تحول دون ذلك؟

رغم الفضائح والتهم التي وصل بعضها إلى حد توجيه تهمة الخيانة لنتنياهو، إلا إنه لا زال يتمتع بأعلى فرص لتشكيل الحكومة القادمة، ولا زال الليكود يحصد أعلى الأصوات وفق العديد من استطلاعات الرأي.

إذاً وأمام هذه النتائج من المرجح ألا يلجأ نتنياهو إلى عملية عسكرية ضد غزة، ليحافظ على تلك النتائج التي تمنحه وحزبه التفوق في الانتخابات القادمة، وعليه سيتحاشى الدخول في أي مغامرة قد تغير موازين القوى الانتخابية رغم المواقف والتصريحات من ضباط جيشه، ولكن هل يبقي الغزيين هنا تحت رحمة التهديدات تارة والمماطلة والتسويف تارة أخرى؟ وإلى متى ستبقى المراوحة وإدارة الأزمات المظهر الرئيسي للتسكين والمعالجة؟

من المرجح أن يستمر هذا الحال دون القدرة على التنبؤ بنهايته، فلا حماس والمقاومة في وارد حرب مع جيش الاحتلال، ولا جيش الاحتلال في وارده حرب أيضاً على الأقل حتى أبريل القادم، وذلك لأسباب تخص كل فريق، ولكن ما هو مؤكد بأن ما يجري هو جزء من مخطط أشمل يستهدف فيما يستهدف المشروع الوطني الفلسطيني، عبر إضعاف الكل الفلسطيني بدون استثناء، فمن جهة يستمر الحصار الخانق على غزة، حيث نسب البطالة وكذلك الفقر تجاوزت كل المقاييس، مع اقتصاد منهك، وهجرة منظمة للشباب والكفاءات العلمية إلى الخارج، مترافقاً ذلك مع إدارة للأزمة تمنع "كارثة إنسانية" قد تنفجر في الداخل وفي وجه المحتل أيضاً.

أما في الضفة فحدث ولا حرج، سلطة تحت الاحتلال المباشر بدون سيادة، كما أقر بذلك أركانها أكثر من مرة، حيث تغول الاستيطان، واعتقالات يومية، واستباحة لكل الأماكن، ومخططات تهويدية للقدس قاربت على نهايتها، وتحويل الضفة إلى مدن معزولة دون تواصل، إلاّ بإذن المحتل، ويبقى السؤال هنا، إذا كان جميعنا يرفض صفقة القرن ويتوعّد بإفشالها، وإذا كان جميعنا يدرك عن وعي المخاطر التي تواجه مشروعنا التحرري، وإذا كنا ندرك أهمية تحقيق الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي، فلماذا نسلك سلوك يتماهى مع "نصوص" المشروع الأمريكي لتصفية القضية؟!

"صفقة القرن" بل أكثر من ذلك:

تتوارد الأسئلة إلى الذهن، هل نحن نوفر البيئة المناسبة لتمريرها؟ أليس تعزيز وتعميق الانقسام يصب في نفس المجرى؟ ألا تؤدي الخطوات والخطوات المضادة من طرفي الانقسام بالدفع تجاه الانفصال؟ أليس من المنطق والمعقول توفير وتحشيد عوامل الصمود والقوة اللازمة من خلال التفاهم والحوار على قاعدة تقول: الوطن أكبر من الجميع، بحيث يستحق أن ندفع الثمن المطلوب لأجله؟

إنّ ما تشهده الساحة الفلسطينية خلال الأشهر القليلة الماضية من تعميق للخلاف والانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وتجاوزه لطرفي الانقسام، ليضاف إليها أطراف وفصائل رئيسية من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بات يشكّل خطراً وجودياً يستهدف فيما يستهدف الشعب الفلسطيني، وقضيته الوطنية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، أحد أبرز منجزات الهوية الوطنية الفلسطينية خلال حقبة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

وأمام هذه الحالة والاستعصاء القائم، وصعوبة الحل السياسي، وفشل وبؤس خيار الحلول التفاوضية في ظل الانحياز الأمريكي، والنفاق الأوروبي لدولة الاحتلال، وانهيار النظام الرسمي العربي، وعدم القدرة على ممارسة المقاومة المسلحة بشكل مستدام، وغير ذلك من الأسباب تزداد المخاطر والتحديات المنتصبة أمام القضية الفلسطينية وفصائلها الوطنية.

ولكن من يرى تلك اللوحة السوداوية، عليه أن يرى أيضاً التطورات الحاصلة في المنطقة العربية والإقليمية، من تغيرات وتطورات سياسية وعسكرية والتي عبر عنها بموضوعية أحد المسؤولين عن شعبة الاستخبارات العسكرية لدولة الاحتلال حينما قال: بأن الخطر القادم على "دولة إسرائيل" قادم من سوريا.

نعم فلقد عزز انتصار الجيش العربي السوري وتحريره لمعظم الأراضي السورية، وإلحاقه مع محور المقاومة هزيمة نكراء بما يسمى بالتحالف الدولي، الذي تقوده إدارة ترامب، ودول أوروبية، وبعض من مشيخات الخليج، عزز ثقة الشعوب بحتمية الانتصار، وما إعلان الانسحاب الأميركي الاضطراري من الأراضي السورية، وهرولة العرب والأوروبيين إلى إعادة العلاقات مع سوريا، إلا مدلولات تؤكد على أنه بالإمكان فعل الكثير لتحقيق الأهداف دون الانكسار مهما بلغت حالة الاستعصاء.