يشير آدم توز في مراجعة معمقة لكتاب "عولمة: نهاية الامبراطورية وولادة النيوليبرالية" للمؤرخ كوين سلوبوديان، إلى أن الحركة النيوليبرالية كانت منذ نشأتها معادية للديمقراطية لدرجة إنها رحبت بالفاشية واعتبرتها رد فعل على صعود الاشتراكية.
حيث أثبت سلوبوديان في كتابه الجديد إن آباء النيوليبرالية سعوا إلى إنشاء نظام دولي جديد يستند إلى مؤسسات مستقلة من أجل تقوية الاقتصاد ضد تدخل الدول القومية الديمقراطية، وبقيامهم بذلك زرعوا بذور الأفكار لتشكيل المؤسسات الاقتصادية العالمية وأسسوا للعولمة.
مؤكدا أنه منذ تأسيسها، لم تعمد النيوليبرالية إلى تدمير الدولة، بل إلى إنشاء نظام دولي قوي بما يكفي لتجاوز الديمقراطية في خدمة الملكية الخاصة. وهذا النص هو ترجمة منقحة لمراجعة توز لكتاب سلوبوداين الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد نهاية 2018. وقد نشرت الأطروحة الأصلية بالإنكليزية في مجلة ديزيرت.
يعود التاريخ الطويل للنيوليبرالية إلى ميلتون فريدمان، ومدرسة شيكاغو، وأيضا إلى بينوشيه ديكتاتور التشيلي السابق، وثورة السوق التي جلبها رونالد ريغان، (لايمكن إهمال مارغريت تاتشر هنا- المترجم) وكذلك عمليات التكييف الهيكلي التي قادها البنك الدولي، وما يعرف ببرامج التحول العلاجي بالصدمة لدول ما بعد إنهيار المعسكر الشرقي، وهذه العناصر كلها تأتي في صلب السرد النيوليبرالي.
[ميلتون فريدمان اقتصادي أمريكي يعتبر أبا العولمة ومروج سياسات السوق التنافسي التي اعتنقها ريغان وتاتشر، فاز عام 1976 بجائزة نوبل. وهو أحد أبرز خريجي مدرسة شيكاغو الاقتصادية، إضافة إلى آخرين- المترجم]
ويمكن طبعا رؤية أسلاف هذه الأيدلوجية في النظام الألماني الغربي ما بعد الحرب العالمية الثانية وتجمع مونت بيليرين عام 1947، وفي حالة الإصرار على تعيين لحظة مؤسسية تاريخية، فقد يمكن الإشارة إلى والتر ليبمان [صحفي أمريكي يعتبر أول من أدخل مصطلح الحرب الباردة في الاستخدام العام- المترجم]، في أغسطس 1938 في باريس، وكذلك يمكن لأولئك الذين لديهم اهتمام خاص في تاريخ الفكر الاقتصادي أن يتقدموا خطوة أخرى إلى "دين الحساب الاشتراكي" الذي أطلقه الاقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميزس في عام 1920، والذي تحدث فيه عن نقد أساسي للاحتمالية المنطقية للتخطيط المركزي الاشتراكي.
[ مونت بيليرين منتجع سويسري التقى فيه الفيلسوف النمساوي فريدريك فون هايك في 1947م، مع مجموعة من المثقفين والأكاديميين مثل لودفيك فون مايزس، عالم الاقتصاد النظري النمساوي، والفيلسوف النمساوي – البريطاني الأشهر كارل بوبر صاحب «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، الكتاب الذي لعب دورا ملموسا في المواجهة الفكرية مع الشيوعية (زعمت بعض الأدبايات إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية - السي أي أيه كانت توزع نسخا منه، أثناء الحرب الباردة، وعلى نطاق واسع، سيما في أوروبا الشرقية)، وكذلك ميلتون فريدمان، وجميعه مناهضون للاشتراكية والشيوعية، ارتعبوا من توسع النظام الاشتراكي بعد الحرب الثانية – المترجم].
يبرز كتاب سلوبوداين، لأنه يوفر إطارا جديدا لتاريخ هذه الحركة، حيث بالنسبة للمؤلف كانت العلامة المبكرة الأكثر أصالة للنيوليبرالية هي منذ البداية سبب انشغالها بمسألة التكامل الاقتصادي العالمي والتفكك.
وفي السبعينيات، كان مؤيدو النيوليبرالية يساعدون على إطلاق موجة العولمة التي اجتاحت العالم، ولكن كما يظهر سلوبوديان، فإن تأييدهم للتجارة الحرة وتحرير حركة رأس المال يعود إلى لحظات تأسيس النيوليبرالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث ولدت الحركة كرد فعل متحفظ بحماسة لحظة ما بعد الإمبريالية، ليس في الخمسينيات والستينيات، ولكن وسط أنقاض إمبراطورية هابسبورغ، ولم يكن انهيار النظام الملكي النمساوي الهنغاري المزدوج في عام 1918 نتيجة حركات تقرير المصير بل أيضا نتيجة فشل نظام سياسي متعدد الأطراف ومعقد، وفي أعين فون ميزس وحلفائه الأيديولوجيين، فإنه يشكك في ترتيب الملكية الخاصة، حيث كانت الحرب العالمية الأولى والكساد العظيم هي التي ولدت الدول القومية الديمقراطية، والتي لم تعد ترغب بمجرد حماية الملكية الخاصة ولكنها ادعت السيطرة على الاقتصاد الوطني الذي تم اعتباره كمورد تشرف عليه الدولة و الملكية الخاصة التي كان يتم تأمينها من قبل سيادة إمبريالية بعيدة، ولكن متساوية أصبحت الآن تحت رحمة الديمقراطية الوطنية.
[النظام المزدوج: تأسس بناء على التسوية النمساوية المجرية عام 1867، حيث أعيد الحق للمجر بتأسيس ملكيتها الخاصة وأصبح الحكم برئيسي وزراء وبرلمانين، ولكن تحت حكم رئيس واحد يتمثل في كل من ملك المجر وامبراطور النمسا مع وزارات سيادية مشتركة تحت سيطرة "الرئيس"- المترجم]
في مواجهة هذا التحول المثير للصدمة، شرع الليبراليون الجدد ليس في تدمير الدولة، ولكن نحو إنشاء نظام دولي قوي بما يكفي لاحتواء القوى الخطيرة للديمقراطية وحماية الاقتصاد الخاص في مجاله المستقل.
وقبل أن يلتقوا في مونت بيليرين، استضاف فون ميزس الاجتماعات الأصلية للنيوليبراليين في غرفة التجارة في فيينا، حيث دعا مع زملائه إلى قمع الاشتراكية النمساوية، ورحبوا بالفاشية، ليس باعتبارها تقدم حلا طويل الأمد، ولكن كرد على الثورة والاشتراكية، ورحبوا بموسوليني وعصابة القمصان السوداء على هذا الأساس.
[القمصان السوداء: عصابة فاشية إيطالية استمرت من بعد الحرب الأولى وحتى سقوط الفاشية، وعرفت رسميا باسم مليشيا متطوعي الأمن القومي MVSN، أطلق الاسم أيضا على جماعات شبيهة بريطانية وهندية- المترجم]
وكما لاحظ فون ميزس في عام 1927، "لقد نجحت الفاشية في الوقت الحالي في انقاذ الحضارة الأوروبية"، وحتى في أواخر الثلاثينيات، كان فيلهيلم روبك، وهو من النيوليبراليين البارزين، يعلن بلا خجل أن رغبته في دولة قوية تجعله أكثر "فاشية"، أكثر مما اعتبره العديد من قرائه، وهذا الأمر ليس قليل التأثير في كل الأحوال.
لم تدم الحركة التأسيسية للفكر النيوليبرالي طويلا في فيينا، إذ سرعان ما انتقلت الشخصيات البارزة إلى جنيف في سويسرا المسالمة، وموطن عصبة الأمم التي كانت نقطة جذب للاقتصاديين من جميع أنحاء العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك ما يعتبره سلوبوداين المشهد المركزي الذي الذي أعطى اسمه للمجموعة التأسيسية للنيوليبرالية العالمية، وهي مجموعة يسميها مدرسة جنيف.
يظهر سلوبوديان أن الليبرالية الجديدة في مدرسة جنيف قد تشكلت من خلال أزمة فكرية مشتركة، في أعقاب الكساد العظيم، حيث بدأ أعضاء الجماعة ليس فقط في استجواب القوة التنبؤية للبحوث الاقتصادية في دورات الأعمال - التقلبات بين فترات النمو الاقتصادي والركود - ولكن برؤية أن عملية تحديد حجم الاقتصاد إنما هي تهديد للملكية الخاص.، وكان مجرد ملاحظة الاقتصاد كهدف، إما لأغراض البحث العلمي أو لأغراض تدخل الدولة في الاقتصاد، يفتح الباب أمام سياسة اقتصادية ديمقراطية من شأنها إعادة توزيع الثروة، وبالتالي، وفقا لأعضاء المدرسة، فإن الخطوة التالية في حماية الملكية الخاصة بعد حل النقابات العمالية كان الإعلان عن أن الاقتصاد كان لا يمكن معرفته، وتوقّف الليبراليون الجدد من النمسا عن الانخراط في الاقتصاد وأصبحوا ينظرون للقانون والمجتمع.
من الواضح أن هذا وضعهم على خلاف كبير مع الروح التكنوقراطية التي وسمت لحظة منتصف القرن، وجاء التعبير الأكثر شهرة عن هذا الاغتراب في كتاب هايك "الطريق إلى العبودية" المنشور عام 1944، والذي يأخذ مساحة صغيرة من كتاب سلوبوداين، كون كتاب هايك يركز الهجوم على الشمولية الأوروبية وخطة الضمان الرفاهي الصحي والاجتماعي لدولة الرفاهية البريطانية بعد الحرب، وعلى النقيض من ذلك، ركز الليبراليون الجدد في مدرسة جنيف اهتمامهم على الاقتصاد السياسي العالمي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكافحوا للدفاع عن حركات رأس المال ضد قيود بريتون وودز [التي فرضت في مؤتمر يحمل نفس الاسم عام 1944، وتم ربط العملات بالدولار وحدد ثمن 35 دولارا لأونس الذهب، ويعد بداية تأسيس نظام الصرف الأجنبي بعد الحرب- المترجم]. وفي الستينيات من القرن الماضي، قاموا بالوقوف ضد نظام ما بعد الاستعمار، واندفعوا إلى الفصل العنصري، وقاوموا بكل ما في وسعهم لتقويض رؤى نظام اقتصادي دولي جديد أكثر عدلاً، وأكثر تنظيماً، طالب به الجنوب العالمي. كانت فكرة نظام الصرف الخاضع للتنظيم الحكومي والذي يهيمن عليه منتجو السلع الأساسية لعنة على النيوليبرالية.
[كان فريدريخ هايك أو فريدريخ أوغوست فون هايك ( Friedrich August von Hayek) اقتصاديا ومنظرا سياسيا نمساويا بريطانيا من مدرسة فيينا، عرف بدفاعه عن الليبرالية الكلاسيكية والرأسمالية القائمة على أساس السوق الحر ورفضه للفكر الاشتراكي والشيوعية، حصل على جائزة نوبل عام 1974 مناصفة مع منافسه الأيديولوجي، جونار ميردال، ويعد أهم الشخصيات وراء التحول من السياسات الكينيزية والتدخلية والتي كانت منتشرة في مطلع القرن العشرين، نحو سياسات تعتبر السوق الحر هو المرجع وتنبذ فكرة تدخل الدولة فيه (سياسات نيوليبرالية) – المترجم]
لا يعطينا سلوبوديان تاريخًا جديدًا لليبرالية الجديدة فحسب، بل أيضًا صورة أكثر تنوعًا لمحادثات السياسة العالمية بعد عام 1945، وحتى في ذروة السياسة الكينزية، والتنموية، ولكن لم يتم إسكات النيوليبراليين أبدًا، وكانت النيوليبرالية دائما جزءًا من المحادثة، على الرغم من أنها لم تكن الخطة السرية لتاريخ القرن العشرين، وكما يلاحظ سلوبوديان، من الثلاثينيات، كانت العديد من الأفكار النيوليبرالية طوباوية بالتأكيد، ولم تكن تهدف إلى تغيير السياسة، على الأقل ليس على الفور. كانت تدخلاتهم جدلية تهدف إلى فتح باب المناقشة.
[الكينزية: نظرية وضعها جون مينارد كينز، تعتبر أن الاقتصاد الكلي يمكن أن يكون في حالة من عدم التوازن لفترة طويلة لذلك يجب على الحكومات التدخل للمساعدة على انخفاض الطلب الكلي والحد من البطالة وزيادة النمو. أعاد كساد 2008-2013 الاهتمام بالنظرية بسبب تشابهه مع كساد الثلاثينيات، ونشأ ما يسمى الكينزيون الجدد- المترجم]
في ثمانينيات القرن الماضي، كانت مسيرة النيوليبراليين الطويلة في مؤسسات الحوكمة الاقتصادية العالمية هي التي حملت أخيراً هذا اليوم، وهنا بدلا من التركيز على البرامج الوطنية للتمويل، والخصخصة، وكسر النقابات، يركز سلوبوديان على البعد العابر للحدود: الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية، وإن أبطال قصته هم أشخاص لم تسمعوا بهم من قبل، طلاب الجيل الثاني من مؤسسي النمسا وألمانيا الأصليين، تدربوا كمحامين، وليسوا رجال اقتصاد مثل إرنست-يواكيم ميستماكر وإرنست-أولريش بيترسمان، الذين صاغوا جدول الأعمال في بروكسل وساعدوا في توجيه سياسة التجارة العالمية.
والسؤال الآن أين تقف النيوليبرالية؟
أولا وقبل كل شيء، شدد سلوبوديان على المحافظة الجوهرية للجيل الأول من النيوليبراليين وعدائهم الأساسي للديمقراطية، علاوة على ذلك، فإن ما كشفه هو التزامهم العميق بالإمبراطورية كقيد على الدولة القومية، ومن الجدير بالذكر، في حالة فيلهيلم روبيك، أن هذا قد عززه عنصرية عنيفة ضد السود، خلال الستينيات، نشط روبك نيابة عن جنوب أفريقيا وروديسيا في الدفاع عن ما اعتبره آخر معاقل للحضارة البيضاء في العالم النامي، و في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، جادل أعضاء جمعية مونت بيليرين بأن الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا يمكن أن تكون محمية بشكل أفضل من خلال وزن نظام التصويت بنسبة الضرائب المدفوعة.
إذا كان التسلسل الهرمي العرقي أحد أسس النظام العالمي النيوليبرالي المتخيل، فإن العائق الرئيسي الآخر على الدولة القومية هو التدفق الحر لعوامل الإنتاج، وهذا ما جعل استعادة حركة رأس المال في الثمانينيات تمثل انتصارا.
وعلى رأي الباحث القانوني والمؤرخ صموئيل موين (أستاذ القانون في جامعة كولومبيا)، قد يلاحظ المرء أنه ليس من قبيل المصادفة أن ظهور حركة رأس المال الراديكالية قد تزامن مع ظهور حقوق الإنسان العالمية، فكلاهما قلص سيادة الدول القومية، وعندما صاغ الاقتصاديون في مدرسة جنيف الحجة القائلة بأن الركيزة الأساسية للحرية الليبرالية هي حق الأثرياء في نقل أموالهم عبر الحدود دون عوائق من خلال التنظيم الحكومي الوطني، فإن ما كانوا يطلبونه، كما يشير سلوبودان مازحا هو حق الإنسان في تهريب رأس المال.
هذه السخرية تتفوق على شيء ما عندما نتذكر السياق التاريخي، فبعد عام 1933، لم يكن حق الإنسان في تهريب رأس المال نكتة نيوليبرالية، فقد كانت قيود المال مفروضة على اليهود الألمان والنمساويين تمنعهم من ترك الرايخ الثالث، وبالتالي لاتستقبلهم بلدان اللجوء بدون أموالهم، وبالتأكيد فإن غلو الليبراليين الجدد في الربط بين حركة المال والأشخاص حد من حرية الأفراد، وخاصة في الدخول إلى الولايات المتحدة، حيث يعتمد الحق في الدخول على إثبات وجود وظيفة، أو دخل وعدم الحاجة إلى مساعدة اجتماعية.
للأسف بحلول التسعينيات أصبحت فكرة أن السياسات النيولبرالية هي المسيطرة في الاتحاد الأوربي ومنظمة OECD و أيضا GATT ومنظمة التجارة العالمية تذكر بالكاد، لكن أي نوع من النيوليبرالية كانت، وما علاقة فريدريك هايك به؟
في الفصل الختامي لكتابه يحلل سلوبوداين نظم الغات ومنظمة التجارة العالمية في الثمانينيات والتسعينيات ليعيدنا إلى الموضوع المركزي لهايك عن استحالة تمثيل الاقتصاد العالمي ككل.
وبقدر ما يشير الأمر إلى السخرية في الموقف، تم تكريم هايك عام 1989 باعتباره الأب الروحي للإحياء الرأسمالي العالمي، ولا شك أنه، باعتباره مناهضا للشيوعية مدى الحياة، فقد شعر بالرضا في نهاية الفترة السوفيتية، ولكن بالنسبة إلى هايك، لم تكن الحرب الباردة أكثر من مجرد "منافسة سخيفة"، حيث اتخذ كلا الجانبين مقياسًا كميًا للاقتصاد كمقياس للنجاح ووعدا مواطنيهما في الأساس نفس الوعود، وكانت الرأسمالية السوقية لـ فريدمان-ريغان، بالنسبة لهايك "خطرة إلى حد ما"، مثل أي شيء اقترحه كينز.
كيف يجب أن يرد اليسار؟
يؤدي الضغط الهائل على أولوية "الاقتصاد" ومقتضياته إلى دفع الكثيرين في اليسار إلى تبني موقف يعكس هايك. بعض المفكرين مثل كارل بولاني (اقتصادي وأكاديمي مجري)، ينتقدون الطريقة التي "يفترض بها الاقتصاد" سلطة شبه إلهية، وليس من قبيل المصادفة أن اليسار الليبرالي يشاطر نفور هايك لسياسة اقتصادية من أعلى إلى أسفل، وهو ما أطلق عليه العالم السياسي جيمس سكوت "رؤية الدولة".
لكن إلى أين يقود هذا النقد؟ بالنسبة لهايك، فإن الجواب واضح: لقد حاول إسكات الخلافات حول السياسة الاقتصادية، من أجل الخروج من الأسئلة الفضولية حول كيفية عمل الأشياء. سعى الليبراليون الجدد إلى التركيز على أسئلة واسعة حول الهيكل الاقتصادي بدلاً من تفاصيل العمليات الاقتصادية، وبمجرد البدء في طرح الأسئلة الإحصائية ووضع أوراق البيانات معاً، تكون قد قمت بخطوة أولى خطيرة نحو تسييس "الاقتصاد". وفي نقده للنيوليبرالية، تحدى اليسار هذا التخريب، ولكنه فشل في التحقيق في العمل الفعلي للنظام، فقد قبل اليسار حكم هايك بأن السياسة الاقتصادية تقتصر على أكثر المستويات التجريدية والعامة. في الواقع، إن الانشغال الفكري بنقد الليبرالية الجديدة هو في حد ذاته أحد اعراض هذا الفشل، فكيساريين نوضح المنطق الفكري وتاريخ الأيديولوجيات وأنماط الحكومة، بدلاً من التحقيق في عمليات التراكم والإنتاج والتوزيع. نحن إذن نلعب مع الليبرالية الجديدة ذات لعبتها.
بالنظر إلى ارتباط النيوليبرالية بالعولمة، قد يكون من المغري رؤية استعادة الاقتصاد الوطني كوسيلة للخروج من هذا الفخ، هذا هو الدافع وراء البريكست البريطاني، وهو في أفضل حالاته، دعوة للعودة إلى الديمقراطية الاجتماعية الطموحة اليسارية في السبعينيات، بالنظر إلى أن هذه هي اللحظة التي أثارت النيوليبراليين في هجومهم المضاد الأكثر لذة، وبعد كل شيء، اقترح الجنوب العالمي في السبعينيات ليس فقط سلسلة من الحلول الوطنية وحدها، بل نظام اقتصادي دولي جديد، وفي تلك اللحظة، يمكن للجنوب العالمي أن يستدعي طاقة التدفق الأول لسياسة ما بعد الاستعمار.
وطالما أن الدوافع لمقاومة النيوليبرالية لا تتخطى الإيماءات المجردة التي تدعو إلى "استيلاء متجدد على الاقتصاد"، فإنها تعكس نفس الأشياء التي تعارضها. فنحن لا نتعامل بعد مع الآليات الحقيقية للطاقة والإنتاج، ولتجاوز هايك سيكون لدينا ليس فقط إحياء فكرة السيادة الاقتصادية - على نطاق وطني - ولكن أيضا التصدي لعداء الحقيقة عند هايك عبر الرغبة في المعرفة، والرغبة في التدخل وحرية الاختيار، وليس بشكل فردي بل كهيئة سياسية.
للتصدي لهايك ومدرسته يجب التعامل مع الوقائع وليس ما يرغبون في طرحه، التعامل مع الكبيرة والصغيرة في محركات الاقتصاد التي تتبلور بها الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، وتُدرس أدواتها ومعرفتها، مثل تدابير تكلفة المعيشة، وحصص الكربون، ومعايير الانبعاثات، أو التقييمات المدرسية. هنا تخضع النيوليبرالية للحقائق وهنا قد نأمل في هزيمتها.

