ثمة العديد من الوقائع وردود الأفعال التي تلت العدوان «الإسرائيلي» الأخير على سوريا؛ إذ إن التدقيق في بعض تفاصيله، يخرجه من نطاق السجال الصاروخي المعتاد عليه في الفترة الأخيرة، فقد أتى في ظروف لافتة لجهة التوقيت والنطاق الميداني وأسلوب الرد ووسائله، علاوة على الظرفين الإقليمي والدولي، ما يعزز ويؤكد استمرار «إسرائيل» في البحث عن وسائل فاعلة لمحاولة إعادة رسم قواعد جديدة للاشتباك في الساحة السورية بعد خلط الأوراق السابقة في مايو/أيار الماضي.
الاعتداء «الإسرائيلي» الأول بدأ ضمن المعتاد باستهداف مواقع محددة، وربما اعتبرته «إسرائيل» نوعاً من المسار السابق وتريد إكماله مع القيادة الجديدة لرئاسة الأركان، بقيادة أفيف كوخاي، الذي ورث جملة ملفات غير محققة من سلفه ايزنكوت. إلا أن مسار الرد السوري المباشر بصاروخ أرض- أرض ذات رأس نوعي (500 كلغ) بحسب الرواية «الإسرائيلية»، التي أكملت في سياق تصعيدي آخر عبر توسيع ميدان القصف ونوعيته، ما يؤشر بشكل واضح على نية «إسرائيل» بفتح مسارات الاشتباك إلى الحد الذي يمكن استثماره في الضغط على فواعل الأزمة السورية لتغيير بعض أوجه قواعد الاشتباك، والمقصود هنا تحديداً روسيا، التي كثفت الاتصالات مع «إسرائيل» في الفترة القريبة الماضية بعد انقطاع وتوتر ملحوظ جراء إسقاط الطائرة العسكرية الروسية في مايو/أيار 2018 ومقتل 12 عسكرياً كانوا على متنها.
إن الرد الصاروخي السوري، بدا كرسالة موجهة للقيادة السياسية والعسكرية «الإسرائيلية»، خارج إطار الرد المعتاد، وجاء في توقيته ونوعيته خارج سياق الاعتداء الأول، مفترضة أن الرد سيردع «إسرائيل»، بينما كانت النتيجة أن وسّعت «إسرائيل» العدوان لميادين أخرى، ما يظهر المضي في سياقات جديدة بأشكال ووسائل مغايرة للأطراف المعنية جميعاً.
إلا أن السؤال الذي يطرح، مدى قدرة هذه الأطراف للمضي بعيداً في إعادة تشكيل الصورة الجديدة؟ في التدقيق لمجمل الوقائع الظاهرة حالياً، لم تحن الفرص الكاملة والظروف الذاتية والموضوعية لإنجاح الأهداف «الإسرائيلية» الاستراتيجية، وإن تكن هذه السجالات الصاروخية تخدم في الجوانب التكتيكية التي يمكن صرفها في مناسبات ومواقع محددة، كالداخل «الإسرائيلي» عبر استثمار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في شعاراته الانتخابية المبكرة في إبريل/نيسان القادم، وهنا يمكن الإشارة إلى أن «إسرائيل» اعتادت في سياقات اعتداءاتها السابقة الهروب الدائم إلى الأمام وافتعال اعتداءات في شتى الاتجاهات قبيل أي انتخابات مقررة سلفاً، وتأتي هذه العملية لتصب في هذا السياق مبدئياً.
كما أن هذا السياق الصاروخي، يصنف في خانة إمكانية إعادة التواصل الدولي والإقليمي بما يخص الأزمة السورية وملفاتها، فانقطاع التواصل خلال الفترة السابقة بين روسيا والولايات المتحدة، كما هو مفترض أتاح ل«إسرائيل» التسلل ومحاولة الاستثمار السياسي والعسكري، الأمر الذي سيشكل مناسبة لإعادة فتح قنوات التواصل بين واشنطن وموسكو بفعالية وزخم أكبر، في ظل تكثيف قنوات الاتصال الحالية بين موسكو وتل أبيب مؤخراً، كما أنه يتيح إمكانية الاستثمار «الإسرائيلي» مجدداً على أبواب انعقاد مؤتمر وارسو منتصف فبراير/شباط المقبل الذي سيعيد هيكلة الكثير من الملفات الشرق الأوسطية المعنية فيها «إسرائيل» بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبصرف النظر عن الرغبة «الإسرائيلية» وقدرة الأطراف الأخرى في الأزمة السورية على مواجهة محاولات تغيير قواعد الاشتباك المفروضة حالياً، ثمة عوامل ومصالح متداخلة تلعب دوراً حاسماً في إبقاء الوضع على ما هو عليه أو تغييره جزئياً، وبخاصة القوتين المؤثرتين في هذا المجال واشنطن وموسكو، فواشنطن المصنفة في دور الراغب غير قادرة عملياً من دون تقديم بديل ما لروسيا، في وقت ما زالت الملفات الثنائية عالقة وأبرزها الصواريخ المتوسطة المدى، وروسيا القادرة على المنع تحتاج إلى تفاهمات كثيرة مع الجانب «الإسرائيلي» حالياً، علاوة على ذلك، فإن الأطراف جميعاً ترغب في مستويات تصعيد محددة؛ بحيث لا تتدحرج إلى اشتباك إقليمي واسع بالنظر لكلفته الخيالية، الذي لن يكون بمقدور طرف تحمله، وبالتالي فإن ما جرى هو بعلم الجميع اشتباك، نتائجه المحتملة تكتيكية وليست استراتيجية أقله في المدى المنظور.

