مثل كل الأحداث الكبرى فى التاريخ، لا يمكن فهم ثورات الكرامة العربية التى تتابعت فى شتاء 2011 بإرجاعها إلى عامل واحد يمكن اعتباره سببا رئيسيا لها، مثل تدهور الأوضاع الاقتصادية فى الدول التى حدثت فيها هذه الثورات، كنتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، أو بسبب التطورات الديموجرافية التى قفزت بشريحة الشباب بين مواطنيها، أو كنتيجة للاستخدام المتزايد لأدوات الاتصال الاجتماعى، ونظرا لأنه كان لكل هذه العوامل دورها فى قيام الثورات العربية، لذلك فمن المشروع التركيز فى هذه المقالة على واحد منها فقط، دون اعتبار ذلك هو العامل الرئيس فى قيامها.
بطبيعة الحال كان للاقتصاد دوره فى هذه الثورات، يمكن إدراك ذلك بتأمل الحدث الذى كان شرارة انطلاق هذه الثورات، وهو انتحار محمد بوعزيزى فى تونس، البائع الجائل الشاب الذى فضل أن يضع حدا لحياته بعد أن صفعته شرطية، ويمكن كذلك إدراك ذلك من الشعارات التى رفعتها ثورة يناير فى مصر، وكان فى مقدمتها مطلب العيش، ولكن حتى فى هاتين الحالتين يمكن التساؤل: هل كان انتحار محمد بوعزيزى بسبب الفقر أم بسبب الإهانة التى تلقاها على يد الشرطية التونسية؟، ألم يكن مطلب العيش مرتبطا فى الثورة المصرية بمطالب أخرى، منها الحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. ولهذه الأسباب يفضل الكاتب أن توصف هذه الثورات فى تونس، ومصر، و ليبيا ، واليمن، وسوريا بأنها ثورات الكرامة العربية، فالذى كان يكمن وراء مطالبها المتعددة هو استرداد كرامة المواطن العربى الذى سحقته النظم القائمة فى دول هذه الثورات، سواء بإفقاره، أو عدم توفير عمل لائق أو حتى ظروف عمل مناسبة له، وكذلك بفسادها وفقدانها الشرعية، من خلال اعتمادها على القمع وتزييف الرأى العام وبإهدارها حقوق المواطنين فى الحرية الشخصية.(1)
ولكن يبقى السؤال ما هو موضع الاقتصاد فى هذه الثورات؟. ما هى قيمته النسبية بين الأسباب التى أدت إلى قيامها، وماذا كان أثرها عليه بعد أن قامت؟ وهل خرجت الحكومات التى انبثقت عن هذه الثورات فى البلاد نجحت فيها فى التخلص من الحكم الاستبدادى السابق فى طرح نموذج اقتصادى جديد يكون بديلا عن سياسات التكيف الهيكلى التى استرشدت بها كل الحكومات التى أطيح بها، سواء كان هذا الاسترشاد بموجب اتفاقيات موقعة مع كل من صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، مثل حالة كل من مصر وتونس، أم اتبعتها دون اتفاق مثلما كان الحال فى ليبيا وسوريا، أم أنها استمرت فى إتباع نفس النموذج الذى كانت هذه الثورات رفضا له؟.
وللإجابة على هذا السؤال الرئيس يناقش هذا المقال من خلال أربع زوايا هى أولا، لماذا اقتصرت الثورات على دول عربية معينة، ولم تمتد إلى بلاد عربية أخرى ؟، وما هو دور الاقتصاد، ثانيا، فى ذلك؟ وماذا كانت، ثالثا، الآثار الاقتصادية لهذه الثورات ؟، ورابعا وأخيرا هل خرجت أى من الحكومات التى تولت السلطة بعد نجاح الثورات فى الإطاحة بالحكم الاستبدادى بنموذج اقتصادى جديد يترجم غايات هذه الثورات؟.
أولاــ لماذا اقتصرت الثورات على دول عربية معينة؟
من الواضح أنه على الرغم من أن عددا كبيرا من الدول العربية شهد احتجاجات جماعية ومظاهرات واسعة إلا أن هذه الاحتجاجات بلغت أوسع مدى لها فى دول ست هى البحرين، بالإضافة إلى الدول الخمس المذكورة سابقا، ويمكن تصنيف هذه الدول الخمس على أنها من بين الدول التى توصف بأنها فقيرة نسبيا فى الوطن العربى، أى لا تتوافر لها الموارد المالية الواسعة التى مكنتها من إتاحة خدمات اجتماعية على نحو هيأ لهؤلاء المواطنين إشباع حاجاتهم الأساسية. بعبارة أخرى، الدول العربية التى تتمتع بصادرات هائلة من النفط والغاز الطبيعى، ومكنها استغلالها من الحصول على إيرادات كبيرة مع ارتفاع أسعار النفط فى الأسواق العالمية على فترات منذ السبعينيات وحتى بداية القرن الحادى والعشرين ــ هذه الدول هى التى تفادت اندلاع هذه الثورات التى اقتصرت على بعض الدول العربية الأخرى التى لا تتمتع بمثل هذه الثروة النفطية بهذا الحجم. ويؤكد ذلك أنه، وفقا لتقرير مؤشرات التنمية فى العالم الذى يصدره البنك الدولى، فإنه فى كل هذه الدول، باستثناء ليبيا والبحرين يقل متوسط دخل الفرد فيها عن المتوسط العام للدخل الفردى فى الدول العربية بينما يصل هذا الدخل فى كل من قطر والإمارات ــ مثلا ــ إلى خمسة أمثال متوسط الدخل الفردى فى الدول العربية عموما، كما يتجاوزه فى كل من الكويت والسعودية وعمان . إلا أنه فى حالة ليبيا أدت السياسات المغامرة لمعمر القذافى، حاكمها الذى أطاحت به الثورة الليبية، إلى حرمان ليبيا من التمتع بثمار احتياطياتها الكبيرة من النفط وقدراتها التصديرية بسبب الحصار الذى فرض عليها من جانب الدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وذلك من خلال مجلس الأمن فى الأمم المتحدة. لم تمكن العقوبات الدولية التى فرضت فى عام 1992على ليبيا حكومتها من الاستمرار فى تصدير النفط حتى رفعت العقوبات فى عام 1999، ولكن أثر العقوبات استمر فى صعوبة العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة، والحصول على نفس القدر من عائدات الصادرات، مما جعل مستوى دخول المواطنين الليبيين فى مستوى يقرب من جارتيها اللتين لا تحظيان بنفس هذه القدرات التصديرية النفطية. ومع أن متوسط دخل الفرد فى البحرين يتفوق على مستوى الدخل العام فى الدول العربية، إلا أنها ليست من كبار مصدرى النفط فى منطقة الخليج(2).
ومع ذلك يثور السؤال، ولكن هناك دول عربية أخرى تصنف ضمن الدول العربية الفقيرة نسبيا، ولكن لم تسقط نظمها، ولم تعرف احتجاجات مستمرة وواسعة مثلما جرى فى الدول الست؟ أبرز هذه الدول هى كل من المغرب والأردن، واللتين لا تختلف الأوضاع الاقتصادية لمواطنيهما عما يعرفه المواطنون فى تونس أو مصر. الإجابة على هذا السؤال تربط الأوضاع الاقتصادية بالأوضاع السياسية، وتحديدا بمسألة شرعية النظام السياسى، أى قبوله الطوعى من جانب المواطنين. الدول الست فقدت نظمها الشرعية لدى قسم كبير من مواطنيها. فى حالة الدول الخمس التى استمرت فيها الثورات، نظمها الجمهورية افتقدت الشرعية، بسبب خروج حكامها الذين قامت هذه الثورات فى مواجهتهم على قواعد الشرعية فى النظم الجمهورية، وهى أن يختار الشعب حكامه فى انتخابات حرة ونزيهة، حرة أى مفتوحة للجميع ونزيهة لا تخضع للتزوير. حكام الدول الخمس بلا استثناء حاولوا تمرير منصب الرئاسة إما لأبنائهم مباشرة مثلما كان الحال فى مصر، وليبيا، واليمن، أو لواحد من أفراد أسرة الرئيس أو زوجته، مثل تونس، أو وصلوا لهذا المنصب بالوراثة، مثلما كان حال بشار الأسد فى سوريا. اقتران فقدان الشرعية بتردى الأحوال الاقتصادية للمواطنين هو الذى ميز هذه البلدان. وفى حالة البحرين رأى ممثلو الأغلبية الشيعية أن حكومتها تستند إلى تأييد أقلية سنية، ولا تتيح المساواة فى تولى الوظائف العامة بين المواطنين أيا كانت عقيدتهم الدينية، بينما لم تواجه النظم الملكية فى الدول الفقيرة الأخرى، مثل الأردن والمغرب، تحدى الشرعية لاستنادها إلى مبدأ الوراثة، فضلا عن إدعاءات بشرعية دينية فى الحالتين.
ثانيا ــ هل من أسباب اقتصادية لهذه الثورات؟
تطرح الكتابات عن الأسباب الاقتصادية للثورات العربية أربع مجموعات من الأسباب أو الأوضاع الاقتصادية باعتبارها عوامل مفسرة للدوافع وراء هذه الثورات. بعض هذه المجموعات يتعلق بالاقتصاد العالمى وبعضها الآخر يتعلق بخصائص الاقتصاد فى هذه الدول. فمن بين أوضاع الاقتصاد العالمى طرح البعض قضية ارتفاع أسعار الغذاء، وخصوصا الحبوب فى الأسواق العالمية فى عامى 2007 - 2008 وهو ما كان له أثره فى كل الدول العربية تقريبا ,وأدى إلى احتجاجات جماهيرية واسعة عرفتها دول الخليج مع سائر الدول العربية الأخرى. ومن بين أوضاع الاقتصاد العالمى كذلك الكساد الذى ضرب اقتصاد الدول الرأسمالية الكبرى مع الأزمة المالية التى بدأت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى عام 2008 - 2009، وامتدت إلى كبرى الدول الرأسمالية . كان من نتائج أزمة الغذاء ارتفاع أسعار المواد الغذائية وخصوصا الحبوب المستخدمة فى صناعة الخبز، والدول العربية هى كبرى مستوردى الحبوب فى العالم، وكان من نتائج الأزمة المالية العالمية انخفاض تدفقات رءوس الأموال الأجنبية إلى الوطن العربى، وخصوصا لدول، مثل تونس ومصر، اللتين تعتمدان كثيرا على الاستثمارات الأجنبية لدفع النمو وتوليد فرص العمل.(3)
ومع ذلك، فمما يقلل من أهمية هذين العاملين أن تردى أوضاع الغذاء فى بعض الدول العربية لم يصل إلى ما تعرفه دول أخرى فى الجنوب من انتشار المجاعة على نطاق واسع بين مواطنيها. انتشار المجاعات على هذا النحو لم تعرفه أى من الدول الست. ربما عرفته السودان أو الصومال، ولكنه كان بعيدا عن الحدوث فى هذه الدول الست. هذا لا ينكر أن أقساما من المواطنين فى هذه الدول كانت تعانى صعوبات فى الحصول على الغذاء بأسعار ميسورة، وربما ساهم ذلك فى زيادة سخطها على الأوضاع القائمة فى بلادها من تردى الخدمات العامة من تعليم وصحة وسكن، ولكن لا يمكن القول إن صعوبة الحصول على الغذاء كانت السبب الرئيس لهذه الثورات.
ونفس الملاحظة تنطبق على ما يقال عن انخفاض تدفقات رءوس الأموال الأجنبية. فلم يؤد ذلك إلى أزمات اقتصادية فى أى من هذه البلدان. الدولتان الأكثر اعتمادا فيما بينها على الاستثمارات الأجنبية واصلتا النمو بمعدلات لا توحى إطلاقا بأنها تواجه أزمة من أى نوع. كان معدل نمو الناتج المحلى عام 2010 فى تونس هو 3.8 %، وفى مصر 5.1 %، وفى سوريا 5 %، ووصل فى اليمن إلى 8 %. وهكذا لا يمكن القول إن الثورات العربية نجمت عن أزمة اقتصادية فى هذه الدول.(4)
التحليل الذى شغل أغلب الكتابات الاقتصادية عن أسباب الثورات العربية هو أثر ما يسميه الاقتصاديون بالانبعاجة الشبابية YOUTHBULGE، ويقصدون بذلك ارتفاع نسبة الشباب فى سن العمل (15 - 29) فى التركيب العمرى لهذه البلدان، فعندما تصل هذه الشريحة العمرية إلى نحو 30 %، من السكان، أو عندما يقل متوسط العمر الغالب للسكان عن 25 عام، ترجح بعض الكتابات أن يسبب ذلك، التوتر الاجتماعى، بل وانتشار العنف وعدم استقرار النظم السياسية. أما عندما تتجاوز التركيبة العمرية هذه المرحلة، فتقل نسبة الشباب بين السكان، ويرتفع متوسط العمر الغالب عن 25 عام، هنا، تنحو البلدان إلى الاستقرار، وتعرف التحول إلى نظم ديمقراطية. مما يرجح أن تسهم هذه النظرية فى تفسير الأوضاع الاقتصادية وراء الثورات العربية هو أن نمو هذه الشريحة بين سكان الدول العربية اقترن بعاملين آخرين أولهما، هو ارتفاع مستوى التعليم بين الشباب فى الدول العربية وانحسار الأمية وسط الشرائح الشابة من السكان أيا كان الرأى فى تدهور مستوى التعليم، والعامل الآخر هو ارتفاع مستوى البطالة بين هذه الشرائح، ووصل الحال إلى أن واحدا من كل أربع شبان فى المشرق العربى كان يعانى من البطالة، وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى واحد من كل ثلاث فى المغرب العربى، وكانت معدلات البطالة أعلى بين الشابات.(5)
ربما لا تنطبق هذه النظرة بحذافيرها على دول الثورات العربية، فقد تجاوزت تونس ــ مثلاــ مرحلة الانبعاجة الشبابية هذه، ومع ذلك تصف هذه النظرية أوضاع الشباب فى كل هذه الدول تقريبا. ارتفعت مستويات تعليمه، وارتفع بذلك معدل توقعاته عن نمط الدخل والحياة الذى يصبو إليه، ولكن قدراته على بلوغ هذا المستوى كانت ضئيلة أو معدومة، وهو ما يسهم فى انتشار ما يعرف بالشعور بالحرمان النسبى، وهو شعور يقترن فى العادة بالميل للانخراط فى أنشطة احتجاجية. قد تفسر هذه النظرية إلى حد ما ارتفاع نسبة الشباب بين من شاركوا فى الاحتجاجات السلمية الواسعة التى كانت معلما مميزا للثورات العربية.
ثالثا ــ الآثار الاقتصادية للثورة
لم يمض على هذه الثورات سوى أربعة أعوام لا تكفى للحكم على آثارها، ولكن يمكن الاقتصاد على ما ظهر من آثار فى المدى القصير على مستويات نمو الناتج المحلى، ومستويات البطالة. أما الآثار الأوسع على تركيبة الناتج المحلى، وأداء قطاعات الخدمات فلابد أن تستغرق زمنا قبل أن تظهر، وذلك إذا كان لها أن تحدث أصلا.
الآثار الأولى للثورة على الاقتصاد هى انخفاض معدلات النمو وعدم تجاوزها حتى الآن ما كان متحققا فى ظل النظم التى جرت الإطاحة بها. وليس ذلك داعيا للدهشة، فمهمة أى ثورة تكون مزدوجة: هدم البناء القديم، وإقامة بناء جديد مكانه، وتصطحب عملية هدم البناء القديم بآثار سلبية على أداء الاقتصاد فى المدى القريب. فى حالة الثورات العربية لم يجر هدم البناء القديم،ولكن تعرضت دعائمه الأمنية لتحد هائل سقطت أمامه بإخفاقها فى التصدى للثورة، وأنتج ذلك غيابا لقوات الأمن استمر شهورا طويلة فى تونس ومصر، وتعرضت أجهزة الأمن للانقسام والتصارع فى اليمن، وليبيا، وسوريا، مما خلق حالة من عدم الأمان، اضطربت فيها الأوضاع الاقتصادية.ولذلك انشغل الفاعلون الاقتصاديون بالتكيف مع ما أحدثته الثورات من تغيرات فى تركيبة السلطة، وفى مستوى توقع المواطنين لما يرجونه فى ظل الأوضاع الجديدة، وبانتظار استقرار السلطة السياسية، ومعرفة توجهاتها ومن تئول له هذه السلطة فى ظل الصراعات السياسية التى تعقب الثورات.
كانت كل من تونس ومصر أسعد حظا. فقد استطاع جهاز الأمن العودة إلى ممارسة مهامه واستقر بنيان السلطة الجديدة بعد تدخل القوات المسلحة مرة أخرى فى مصر بالإطاحة بحكومة الإخوان المنتخبة التى لم تظهر خبرة كبيرة فى إدارتها لشئون الدولة خلال العام الوحيد الذى حكمت فيه البلاد، واستقرت تونس بعد النجاح فى الوصول إلى دستور توافقى, إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حظيتا بالرضاء العام، ولكن تحولت الخلافات السياسية إلى صراع دام على السلطة فى كل من ليبيا واليمن، وصمد نظام عائلة الأسد الذى قامت الثورة ضده فى سوريا، بفضل الانقسامات الواسعة فى صفوف المعارضة التى اتبعت أسلوب الثورة المسلحة للقضاء عليه، ولمحاربة خصومها بين صفوفها ذاتها.
ولذلك انخفض معدل نمو الناتج المحلى كثيرا فى كل من تونس ومصر بسبب عدم الأمن الذى اقترن بالأشهور الأولى من الثورة، وانهيار جهاز الأمن الذى ساند النظام السابق، وكذلك نتيجة محاولة مساءلة أنصار النظام السابق عن مسئوليتهم عن الفساد الذى شاع فيه، وأضافت الاحتجاجات العمالية ومطالبات المواطنين بتحسين أوضاعهم أسبابا أخرى لتعثر استعادة الاقتصاد لمعدلات نموه السابقة. واصطحبت هذه الأوضاع كلها بانخفاض إيرادات الحكومة، وهبوط أعداد السياح الأجانب، وقلة الاستثمارات الأجنبية. وفى ظل هذه الأوضاع ظلت أعداد العاطلين على حالها تقريبا، ولم تتحسن مستويات دخل المواطنين، بل انخفضت الدخول فى القطاعات التى توقفت بسبب انهيار السياحة، وصعوبة الحصول على الواردات من مستلزمات الإنتاج وتدهور القوة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين وعجز الحكومة عن الإدارة الناجحة لبعض الخدمات الأساسية، مثل توفير الطاقة أو المياه. وكان الوضع أسوأ بكثير فى كل من سوريا وليبيا وبعد ذلك اليمن لفقدان الحكومة السيطرة على أقاليم واسعة من الوطن. فالحكومة الليبية لا تمارس مهامها من العاصمة التى توجد فيها حكومة مناوئة، كما لم تعد الحكومة اليمنية المنتخبة والشرعية والمعترف بها دوليا قادرة على التواجد داخل اليمن بشطريه حتى بعد شن المملكة العربية السعودية غارات جوية دعما لها فى مواجهة الحوثيين، وأنصار الرئيس السابق، على عبد الله صالح، اللذين أصروا على استعادة السيطرة على اليمن من حكومته الشرعية المنتخبة. لم يؤد ذلك فى كل من سوريا واليمن إلى انخفاض معدل نمو الناتج المحلى فحسب، ولكن الأهم من ذلك هو المأساة الإنسانية التى أنتجتها هذه الأوضاع، مثل مصرع أكثر من مائتى ألف مواطن فى سوريا، وهجرة ملايين منهم إلى خارج البلاد فى تركيا والأردن ولبنان، ودول أخرى، وتعرضهم للتشرد والمجاعة فيما وصف بأنه من أسوأ مآسى القرن الحادى والعشرين. كان أثر الصراعات السياسية أقل فى كل من اليمن وليبيا، ولكن فى كل هذه الحالات لم تعد هناك حكومة تفرض إرادتها ــ على الأقل ــ على جميع الفاعلين الاقتصاديين، وإنما حلت محلها ميليشيات مسلحة سيطرت على موارد دخل مهمة مثل حقول نفط أو فروع للبنك المركزى، وأصبحت هى المتحكمة فى التجارة الخارجية بعد سيطرتها على الحدود.
وفى كل من الحالتين الأكثر حظا فى تونس ومصر، بدأ الاقتصاد فى استعادة النمو، ولكن مع تحديات هائلة تتمثل فى ازدياد عجز الموازنة العامة، وافتقاد القدرة على ضخ استثمارات حكومية ضخمة، والتعويل كثيرا على استعادة القطاع الخاص لنشاطه، وتدفق الاستثمارات الأجنبية والسياح، وهو ما لم يتحقق بالمستوى المطلوب الذى يماثل ما كان عليه الحال قبل الثورة.(6)
رابعا ــ نموذج النمو بعد الثورات:
من المتصور أن يعاود الاقتصاد نموه فى كل من تونس ومصر، وقد تستقر الأحوال فى اليمن وليبيا بعد مصالحة تتم تحت ضغوط دولية، ولا يستطيع أى من المراقبين للأوضاع فى سوريا أن يتنبأ بما سيكون عليه الحال فى هذا القطر العربى بعد كل ما يتعرض له من صراعات بين قوى متنافسة وتدخل دولى وإقليمى واسع فى الحرب التى تدور على أرضه، ولكن المؤكد حتى الآن أنه لا توجد أية بوادر على أن نمط النمو فى أى من هذه البلدان سيكون مختلفا عما كان عليه الحال فى ظل النظم التى أطاحت بها الثورات.تحرص الحكومتان التونسية والمصرية على الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من مؤسسات بريتون وودز، وأشادت كل من رئيسة صندوق النقد الدولى، ورئيس البنك الدولى بالإصلاحات الاقتصادية فى مصر والتى تتفق عموما مع ما يدعو إليه كل من الصندوق والبنك من ضغط الإنفاق العام وتشجيع القطاع الخاص، وفتح الأبواب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية. ومع الاعتراف بزيادة الاهتمام بالخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم إلا أنه ليس هناك ما يشير إلى أن نموذج التنمية الذى أفرخ بطالة الشباب، وبقاء الفقر واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء لن يكون هو نفس النموذج الذى تتبعه حكومات ما بعد الثورة فى هذين البلدين أو فى الدول العربية الأخرى عندما تستقر أحوالها.
وتفسير سبب سيطرة هذا النموذج على عقليات صانعى السياسات فى البلدين واضحة. فالذين يمارسون السلطة فى البلدين كانوا أيضا يمارسون السلطة قبل الثورة. وجهاز الإدارة العامة الذى يقدم المشورة والمعلومات ويشرف على تنفيذ السياسات فى البلدين قبل الثورة هو نفس الجهاز. ولكن السبب الأهم هو أن الفكر السياسى والاقتصادى فى الدول العربية لم يبدع نموذجا جديدا للتنمية يغدو بديلا عن النموذج الذى أدى إلى انتحار محمد بو عزيزى، وانخراط مئات الآلاف من الشباب فى ثورة تدعو إلى العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. العزاء الوحيد أن تحدى بلورة هذا النموذج البديل ليس مقصورا على الدول العربية وحدها، ولكنه تحدى يواجهه الفكر الإنسانى فى العالم بأسره.
نقلاً عن: مجلة الديمقراطيّة

