Menu

هل ينجح الروس فيما أخفق الآخرون

حسين الجمل

وجه معهد الاستشراق الروسي الدعوة إلى الفصائل الفلسطينية للحضور إلى موسكو ما بين 10 إلى 11 فبراير الجاري، الهدف من الدعوة بدء حوار وطني شامي برعاية روسية تستهدف إيجاد حلول إبداعية لحالة الاستعصاء التي وصلت إليها العلاقة الفلسطيني الداخلية.

بالعودة إلى معهد الاستشراق الروسي فهو معهد يتبع للأكاديمية الروسية للعلوم، وهو متخصص في البحوث السياسية والاقتصادية وغيرها للشرق، ويعتبر من المراكز العلمية الأولى عالميًا، واللافت أنه يحوي تمثالًا للزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

هذا وكان المعهد قد شهد جولة حوارٍ فصائلية عام 2017 لم تسفر عن نتائج عملية في حينه، اكتفى الروس بإسداء النصائح والتأكيد على مواقفهم الكلاسيكية الثابتة من القضية الفلسطينية، التي لم يطرأ عليها تغيير حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

اللافت أن الروس هذه المرة وجهوا الدعوة للفصائل الفلسطينية في ظروفٍ مختلفة كثيرًا، عن الدعوة السابقة، ولعلّ ما قاله السيد لافروف وزير الخارجية الروسي في إحدى تصريحاته، ووصف الوضع الفلسطيني بالمعقد والخطير، مؤشرًا على مدى الاهتمام الروسي بالموضوع الفلسطيني.

قد يكون لمحورية الدور المصري وانفراده بتدخلٍ مباشر بالموضوع الفلسطيني من أبرز المستجدات على الوضع الفلسطيني الداخلي، إلى جانب الانفراجات الجزئية على الوضع في غزة، جراء التناغم بين الجهد المصري من جهة والجهد الأممي ال قطر ي من جهةٍ أخرى، لكن كل ذلك لم ينزع فتيل الانفجار الذي ترتفع مستويات توقعاته، بين الفينة والأخرى، أما على الصعيد الخارجي، ما تطبخ له الإدارة الأمريكية على نارٍ هادئة للقضية الفلسطينية بموازاة الاندحار الأمريكي من سوريا، وتثبيت وتعزيز للدور الروسي، تلك من أبرز العوامل الداخلية والخارجية التي تمر بها الساحة الفلسطينية.

فهل ينجح الروس في إحداث مقاربة ما بين أطراف الانقسام الفلسطيني. هناك العديد من الأوراق بين يديْ الروسي من شأنها التأثير إيجابًا على الوضع الفلسطيني، حتى في ظل عدم تمكنهم من إحداث اختراق ما في تطويق الخلاف الداخلي الذي لم يعد يقتصر على فتح وحماس، وهو الأساس والأعقد والأخطر، إلا أن الخلاف على الأجندات اتسع ليشمل فصائل وازنة في منظمة التحرير الفلسطينية، فقد شهدت الستة شهور الأخيرة طفو الخلاف بين فتح والجبهتيْن الشعبية والديمقراطية على سطح الوعاء الفلسطيني الذي ينضح بالتمزق والتشرذم، فما هي الأوراق التي يمتلكها الروسي والتي قد تمكنه من لعب دور مؤثر في العلاقات الداخلية الفلسطينية.

هناك اجماعٌ فلسطيني على جدية ومصداقية الموقف الروسي، سواء من القضية الفلسطينية سياسيًا وفي كافة المحافل، وهذا ما لم يتوفر لدى بعض الوسطاء الآخرين الذين شُكك في نواياهم، وأكثر من ذلك، لا يوجد إجماعٌ فلسطيني على طهارة مواقفهم وبشكلٍ خاص، الموقف القطري والذي وصفت العديد من الفصائل مبعوثها بـ"المندوب السامي"، إلى ذلك، التكامل المصري الروسي دبلوماسيًا، وفي السياسة الخارجية، تجاه المنطقة والموضوع الفلسطيني وما تشهد من دفءٍ في العلاقات الثنائية.

أيضًا، قد يكون بدء الروس في الحوار الوطني الشامل بين مختلف الفصائل يساعد في الضغط على طرفيْ الانقسام، وتيسير الوصول إلى مقاربات من شأنها تجاوز بعض التعقيدات، ناهيك عن استعراض مواقف الفصائل قبل بدء الحوار، وذلك من خلال الطلب الروسي من الفصائل الرئيسية بتزويدهم بأفكارٍ ومقترحات تساعد في تجاوز الأزمة.

إلى جانب كل ذلك، لم يعد الدور والتأثير الروسي كما السابق في العام 2017 من حيث ميل موازين القوى بين التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ومحور المقاومة، فقد شهد العام المنصرم 2018 تحولًا حاسمًا على جبهات الصراع في سوريا، وما حققه الجيش العربي السوري ومحور المقاومة من إنجازاتٍ ميدانية، هذا كله كان للدور الروسي دمروا أثرًا في إحداث هذا التحول الهام على كل الصعد.

لا نتوقع أن تقوم الفصائل الفلسطينية بإدارة الظهر للمسعى الروسي، خاصة إذا ما كان طرفيْ الانقسام يرغبون بل يسعون إلى دورٍ روسي أكثر قوة تجاه القضية الفلسطينية في مواجهة ولجم تأثير التحيز الأمريكي الفاضح لدولة الاحتلال، ولكن حري بنا القول أن جولة الحوار المرتقبة من الضرورة بمكان إيجاد وخلق البيئة المناسبة لإنجاحها أو حده الأدنى البناء عليه، ومعنى توفير البيئة يعني ما يعنيه، الكف عن وضع العصي بين الدواليب، لا فيتو مسبق، وقد يكون موقف حركة فتح المسبق بشأن الحوار مع حركة حماس والمعروف أنه "لا يمكن اللقاء مع حركة حماس بأي شكل، إلا بعد تسليمها غزة والتأكد من ذلك، وضمانه له"، من المحاذير التي يجب معالجتها تحسبًا من الانعكاس السلبي على مسار استمرارية الحوار، والسؤال أي السيناريوهات المتوقعة ومن أين سيبدأ الروس محاولة اختراقهم لحالة الاستعصاء القائمة.

هل بالبحث جيدًا في حلول الرزمة الشاملة كما فعل الأشقاء المصريين، وتعثروا في ذلك، أم سيلجأ الروس إلى التكثيف حول فكرة مركزة محدد إنجازها، ويقود إلى تفاصيل بدون فرص خلافية.

العديد من المراقبين يرون أن الروس قد يلجأون إلى مسار القفز إلى الأعلى لتجاوز العثرات التي أوقفت تقدم الجهود المصرية مؤخرًا، قبل الذهاب إلى انتخاباتٍ عامة أو تشكيل لجنة عليا للمتابعة معهم.

لقد بات واضحًا وبشكلٍ جليّ بأن الروس ما عادوا يسمحون للأمريكان حتى ولدولة الاحتلال أن يتصرفوا بالمنطقة بدون كابح أو منازع روسي، وعليه أن ترتيب المنطقة العربية لم يعُد حكرًا وقدرًا أمريكيًا خاصًا، بعد النجاحات التي حققتها الدبلوماسية الروسية والجهد الروسي في سوريا بقوة الفعل والثبات على تأييد الحقوق العربية، وهذا ما لا يتوفر لدى الأمريكان أو الأوروبيين.

إن الدعوة الروسية لحوار فلسطيني شامل في موسكو أمر مهم وفرصة جيدة، وعلى الفلسطينيين التقاطها كونها قد تكون الفرصة الأخيرة لتدخلات شقيقة أو صديقة.