Menu

أسرار العلاقة بين التغيير والتفكير

نسيم الخوري

عندما أوقفت الشرطة، الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، وكان يوزّع المنشورات مع الطلاّب الثائرين ضدّ الرئيس شارل ديجول في باريس، أمر ديجول بإطلاقه فوراً قائلاً: «من يقدر على اعتقال فولتير؟». كانت مرحلة ركود اقتصادي وبطالة وتدني مستوى المعيشة، نزل فيها الطلاّب وأساتذة الجامعات أمثال ميشال فوكو وجيل دولوز وغيرهما، وفهمنا عبر محاضراتهم في ما بعد في الأحرام الجامعية الفرنسية، أسرار العلاقة بين التغيير والتفكير. أنصح بقراءة البيان الشهير 121 الذي كتب في غرفة من جامعة السوربون في بولفار سان ميشال بخطّ موريس بلانشو ووقّعه جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وعشرات المثقفين والصحفيين.

السؤال: لماذا استقال الجنرال شارل ديجول بعد ثلاثة أسابيع على انتفاضة أيّار الطلاّبية في العام 1968؛ حيث وعد بالانسحاب بعد نتيجة الاستفتاء على بقائه، وكان مؤيّدوه 80 في المئة، بينما لم يهتزّ الرئيس الحالي ماكرون عقب 13 أسبوعاً من انتفاضات أصحاب السترات الصفراء في كلّ سبت، مع أنّ 83 في المئة من الفرنسيين لا يؤيّدونه وآخر التدابير لهذا اليوم السبت منحه حكّام المناطق الفرنسيّة الحق بقمع المتظاهرين ؟.

هل لأنّ المفكّرين والفلاسفة وأساتذة الجامعات كانوا وراء وإلى جانب انتفاضة 1968، وهم الآن لا يناصرون المتظاهرين الذين يقفزون من مطلب محروقات لآخر، أربك الفرنسيين بالحرائق، وكأنّهم يستلهمون شعار 1968 القائل: «يجب تغيير الحياة الرتيبة الفرنسية التي ما عادت تناسب الفرنسيين». 

ومن يتابع تعليقات النخب يصاب بالدهشة؛ إذ يصفون أصحاب تلك السترات ب «البرابرة والنازيين والفاشيين الجدد؛ حيث مصيرهم في قمامة التاريخ». دانيال كوهين الذي قاد ثورة الطلبة ضد ديجول قال «بأنّ الخلع والتكسير والحرق والعنف، حصل في ال 1968 كما اليوم في ال 2018، لكنّ أصحاب السترات هؤلاء، لصوص وسارقون وأنصح صديقي ماكرون بأنّهم يستأهلون القتل».

وكأن لا قيمة للشعب، بل للفكر في حماية الحكّام أو إزاحتهم، حيث تسمو مرتبة التغييريين والثوريين، وفقاً للمسلّمات الأخلاقية التي تنشرها الأديان، ولا يحاسب رجال الدين عن تشويهها، بل يساهمون أحياناً كثيرة في هدم الأخلاق. هل يمكن تعميم الأدمغة الفرنسية لثورة ال1789، إذ استلهمت عصر الأنوار ومصّت عظام المفكرين والفلاسفة بحثاً عن الحرية والإخاء والمساواة بحثاً عن العدالة؟

يصعب الاهتداء إلى مصالحة أو حدود تضبط العلاقات بين غرائز الناس وعقولهم في هذا العصر بحثاً عن التغيير. قد يكون من الأصعب الإقرار بأنّ المطالبة الدائمة بالتغيير والتثوير، هي مسائل طبيعية ومقبولة وعلى علاقة حقيقية بتحقيق المثل والقيم التي تبقى غالباً في دوائر المستحيلات. وقد لا نجد دولةً في الأرض، رست تجارب الحكم فيها على نتائج أو صيغ نهائية ثابتة ترضي الناس. 

تشهد سلطات الحكّام والرؤساء في الدول باختلاف نظمها، تحوّلات جذريّة مقلقة في أنحاء العالم وهي تتطلّب التفكير والتعبير، تلييناً لمفاهيم السلطات بمعانيها المعاصرة لفلسفة الانفتاح أوتعميمها خارج أطر التمكّن الثقافي. والسبب هو تقارب شعوب الأرض وتعاطفها، وكأنّها من سلالة واحدة تتفاعل حتى في تهديم الحواجز والجدران تحقيقاً للإنسان الكوني. ترهلت السلطة، في أن تكون سلطة شخصيّة الحاكم أو الأنظمة والقوانين والأعراف وسلطات القوى الأمنيّة القامعة بهدف الحفاظ على أنساق العيش والتستير على الثقافات والعادات الصارمة الجامدة للناس، وكأنّهم مخلوقات محكومة بالغرائز، غير قابلين للتغيّر أو التبدّل ولا يفهمون بالمعاصرة والتجدّد والتجديد والتحديث. لا علاقة لكلّ هذا بالسياسة ولا بالنظم ولا بالحكّام أو بالاقتصاد ويبطل حشو الخطب والنصوص بالتمنيات والوعود والوصايا التي ملّتها الشعوب، وتحديداً تلك المصطلحات المهترئة المثقوبة التي تنتهي غالباً بالألف والياء التي تتناول المسائل مثل السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والحضارية والاستعمارية والإمبريالية. من يتذكّر فيلم Z الذي يبدأ به الممثل بثياب جنرال طالباً حذف كل المصطلحات التي تنتهي بالياء والتاء المربوطة isme من الخطب والألسنة والقواميس؟

ماذا تعني السلطة اليوم؟ الجميع يبحث عن أجوبة مقنعة. لم تعد السلطة، سلطة السيّد أو سلطة الأب المعروف المستمدّة من صفته «ربّ العائلة» صغيرة أم كبيرة، ولا هي سلطة «ربّ العمل» المتحكّم بحياة القطعان البشرية ومستقبلها في المؤسّسات والشركات، ولا هي سلطة العدالة الديمقراطية التي خبرتها بعض الدول، لكنّها لم تهضم تماماً أربطتها بالحريّة والديمقراطية بمعانيها الإنسانيّة الشاملة، أو هي لم ترسم لها هوامش الحركة والتعبير والعلاقات والتحرّك والتظاهر تسهيلاً للتقدّم. هي ليست سلطة رجال الدين، بتنوعهم في العودة والتمسّك بتطبيق تراث الأنبياء والرسل وقيمهم وإشاعتها في أرجاء الأرض كما بدأت، ولا هي سلطة الذهب والمال والاقتصاد التي تتكدّس، خدمة للأسواق والثروات لا خدمة خاصة لأصحابها عمليّاً، بقدر ما هي خدمة للحفر في سلطات الدول والأشخاص.