مؤتمر وارسو الذي عقد بالأمس بطلب أمريكي وتم الأعداد له من قبل الثنائي جاريد كوشنير كبير مستشاري البيت الأبيض، وهو يهودي وصهر الرئيس الأمريكي ترامب، وجيسون جرينبلات مبعوث "السلام الأمريكي في الشرق الأوسط"، وهما الأكثر انحيازا في الإدارة الأمريكية للكيان الصهيوني، ولرؤية حكومة الائتلاف اليميني المتطرف القائمة على أساس الأصولية اليهودية. جاء مؤتمر وارسو هذا هو في الحقيقة امتدادا للأسلوب الدبلوماسي الذي مارسته الخارجية الأمريكية بعد حرب أكتوبر عام 1973، بصدد التوصل إلى حل للصراع العربي الصهيوني وكان هذا الأسلوب قد بدأ بانعقاد مؤتمر جنيف عام 1974، حيث كان متفقا على حضور مصر وسوريا والأردن للمؤتمر، بدون مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية التي قاومته بسبب استثنائها من الحضور من قبل الولايات المتحدة .
لقد كانت سياسة كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق القائمة على نظرية الخطوة خطوة تستهدف الاستفراد بمصر، وإلغاء دور منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الشيء الذي سار عليه نظام السادات، باتخاذ وجهة إقليمية هدفها التوصل إلى سلام منفرد مع الإسرائيليين، وهذا ما تحقق بالتوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد التي بموجبها حقق المشروع الصهيوني أول مكتسباته، باعتراف أول وأكبر دولة عربية بالدولة اليهودية.
انعقد مؤتمر "مدريد للسلام" بعد ذلك لكنه أخفق في التوصل إلى مشروع سلام للقضية الفلسطينية، لكن على أثره استمر الأسلوب الدبلوماسي الأمريكي في التواصل وإن اتخذ بعد ذلك مسارا مختلفا بعيدا عن صخب الإعلام حتى جاءت اتفاقية أوسلو، كأول اتفاق فلسطيني إسرائيلي، تم فيه الاعتراف بالكيان الصهيوني في مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. وهذا الاعتراف المتبادل غير المتكافئ حيث كان يجب على المفاوض الفلسطيني أن ينتزع من حكومة اسحق رابين الاعتراف باقامة دولة فلسطينية مقابل الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل .هذا الاعتراف المنقوص غير المتكافئ هو الذي جعل مرحلة الحكم الذاتي المؤقتة للضفة الغربية وقطاع غزة تتواصل حتى الآن، والقضية الفلسطينية بعيدة عن الحل النهائي العادل، الذي يكفل تلبية الحقوق الوطنية الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية، والتي جاءت إدارة ترامب لإخراحها من قضايا الصراع، وهي التي تعد من القضايا الجوهرية التي بدون التوصل إليها لا يتم تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وهي قضيتي القدس واللاجئين.
لقد تحولت القضية الفلسطينية في السياسة الأمريكية بالموقف الأمريكي الحالي من قضية سياسية إلى قضية إنسانية بتفريغها من مضمونها الوطني التحرري، وبذلك يكون العنوان الأبرز لمؤتمر وارسو هو استبدال "السلام السياسي" بجوهره القائم على التحرر والاستقلال الوطني وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس على حدود 1967، إلى السلام الاقتصادي بطبيعته القائمة على المشاريع الاقتصادية التي تمولها دول النفط الخليجية الثرية، لتحسين ظروف الحياة المعيشية للفلسطينيين في الضفة والقطاع، مع بقاء الاحتلال، مما يجعل هدف مؤتمر وارسو الرئيسي هو بالدرجة الأولى تصفية القضية الفلسطينية، وبقبول خليجي عربي هذه المرة، تم التمهيد إليه منذ فترة بإجراءات تطبيع مع الكيان غير مسبوقة، كانت ذروتها زيارة نتنياهو إلى سلطنة عمان. ويحدث ذلك في إطار مسعى أمريكي متواصل بخلق عدو وهمي متمثلا بإيران، بدلا من العدو الحقيقي وهو الكيان الصهيوني.
لقد كان الدافع لعقد مؤتمر وارسو التصفوي هو استغلال المتغيرات الإقليمية والدولية التي تشهد مزيدا من الصراعات والأزمات، وكلها خفضت من مستوى الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي لم تعد تشكل بؤرة توتر حقيقي في "الشرق الأوسط"، حيث مظاهر التطبيع الرسمي مع الكيان تتم بدون غضب مؤسسة جامعة الدول العربية، و استمرار حالة الانقسام السياسي والجغرافي في النظام السياسي الفلسطيني، وهي حالة ولاشك تؤثر في قدرته على مجابهة التحديات والكيان الصهيوني. فكل من طرفي الانقسام أصبح في موقع التكيف مع حالة لا مقاومة ولا سلام، وإن صح التعبير فكل من الضفة الغربية وقطاع غزة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، فعمليات الطعن الفردية تواجه بإعدام القائمين عليها فورا، ومسيرات العودة أضحت فاعليتها مرتبطة بالتهدئة. أما الصراعات الداخلية في بعض دول المنطقة والتي تشكل إيران طرفا فيها خاصة في سوريا واليمن، ومن واقع الخلفية الطائفية في الخلاف السني الشيعي، فقد ساهمت هذه الصراعات في التفكير بصياغة تحالف إقليمي جديد يضم الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، وهو بناء على توجه الإدارة الأمريكية فى رسم خارطة جيوسياسية جديدة لمستقبل "الشرق الاوسط"، يتم فيها دمج الكيان الصهيوني في نسيج المنطقة، هنا يكون مؤتمر وارسو بهذا التوصيف حلقة من حلقات التآمر على مستقبل المنطقة العربية والشرق الأوسط وعلى القضية الفلسطينية، وهو ما يستدعى من كافة قوى التحرر العربية مواجهته حتى لا يحقق أي هدف من الأهداف التي تسعى اليها كل من إدارة ترامب المتصهينة وحكومة الائتلاف اليميني المتطرفة .

