Menu
أوريدو

العدالة!

حاتم استانبولي

كلمة العدالة هي الحد الفاصل ما بين الاعتراف بالحقيقة ونفيها. فالعدالة مطلب انساني منذ فجر التاريخ أراده الانسان وعبر عنه بطرق مختلفة في صراعه مع حاجياته الانسانية للاستمرار والحفاظ على الجنس البشري. العدالة تطورت بالمفهوم الانساني من خلال تفاعل الانسان مع محيطه الذي انعكس بدرجات مختلفة في وعيه ومعرفته وكلما كان يزداد انخراطًا في الممارسة العملية كانت متطلبات العدالة الاجتماعية ترتفع.

ومع تراكم الخبرات المادية نتيجة النشاط كان لا بد من تنظيم توزيعها بين المجتمعات البدائية التي أخذت الطابع التبادلي طبقاً للحاجيات الملموسة والتنظيم تطلب مجموعة من الأعراف والتقاليد بين التجمعات البشرية والتنظيم كان بحاجة لقوى بشرية تقوم بتنفيذه وهنا نشأ الشكل البدائي للسلطة التي كانت تستعين بأقوى الرجال من بينها لحماية قوانين وتقاليد التجمع البشري وكانت مهمتها أيضًا حماية القبيلة والأهم نسائها وأطفالها. وأخذت كل قبيلة من القبائل تسن قوانينها وتقاليدها الخاصة بها ومع ازدياد أعداد القبائل وأعداد أفرادها أخذ دور جهاز حماية السلطة دورًا اكبر في تحديد توزيع الخيرات المادية التي كانت مصدرها النشاط الانساني من صيد وزراعة.

في هذا السياق التاريخي ظهرت بعض قبائل خارج سياق التطور الطبيعي للمجتمعات البشرية حيث أخذ طرق مختلفة في تأمين حاجيات أفراد قبيلتها حيث كانت تقوم بغزو القبائل الأخرى ونهب خيراتهم ونتاجهم ومع استمرار هذه الغزوات وتراكم المنتجات بين أيدي هذه القبائل العصابية وجدت ضرورة أن تغير من نمط حصولها على الخيرات عن طريق طرح شرط وقف الغزو مقابل الحماية للحفاظ على حياة أفراد القبائل المنتجة. وفي هذه اللحظة التاريخية شرعت قانونيًا عمليات النهب والقتل والسرقة وأصبحت القبائل جميعها تعمل وتقتسم نتاج عملها مع مراكز القوة التي أعطوا أنفسهم ألقاب عبر التاريخ من سادة إلى أمراء إلى ملوك إلى سلاطين وامبراطوريات.

وازدادت البشرية وأصبحت الخيرات المنتجة المتبقية بعد دفع حصة السادة والأمراء والملوك والامبراطوريات والسلاطين واذا ما أضفنا لهم جهاز حمايتهم لا تكفي قوت أبنائهم، في هذه اللحظة بدأ الانسان ولقلة حيلته ينشد إلى العدالة التي اغتصبت منه من مجموعة سارقي نتاج عملهم ونشاطهم وهنا كانوا يلجؤون إلى الدعاء لنجدتهم من هول ما سيلحق بأبنائهم واختلفت تعبيرات مطالباتهم ولكونهم لا يستطيعون مجابهة ظلم ظالميهم سالوا قوة من خارج وعيهم علها تستجيب لانصافهم. وظهرت الأفكار التي عبرت وبشكل مختلف طبقًا للمكان والمخاطر التي كانت تجابه البشر من مخاطر طبيعية إلى مخاطر بشرية ظهرت فئة أطلقوا على أنفسهم بالسحرة ثم تحولوا إلى مستشارين للفئة المسيطرة وفي ظل هذه الحالة التاريخية وعدم إجابة السحرة على أسئلة البشر الملحة والمتعددة نضجت فكرة لدى أصحاب سلطة رأس المال المتراكم بأن يجدوا أسبابًا لواقعهم من خارج وعيهم وأعطوا مجموعة من التعاليم التي من خلالها يحكمون سيطرتهم وبذات الوقت يعطون مبرارت أخلاقية لظلمهم عبر مقولات أن هذا ما كتب لكم.

أصبحت العدالة بالنسبة لمجموع البشر هي مطلب للخالق من أجل انقاذهم من واقعهم وهنا أصبحت الفكرة الدينية منفذًا للخلاص الروحي. استخدمها الفقير للخلاص من فقره واستخدمها الظالم لتبرير ظلمه. وهنا المفارقة التي يجب أن ندقق بها أن الدين استخدم من قبل أصحاب السلطة من أجل تبرير ظلمهم وقتلهم والمظلومين استخدموا الفكرة الدينية للخلاص ومحاولة يائسة لفرض العدالة الانسانية وهنا نفهم عبر التاريخ أن الفكرة اليهودية التي تحالفت مع رأس المال منذ فجر التاريخ وحتى الآن وأخذت تعبيرات وأشكال مختلفة هي في جوهرها فكرة ظالمة ترعى الظالمين وتجد لهم منافذ ومخارج وأساليب وطرق لا تتوانى بها من ظلم أبناء جلدتهم من أجل بقاء سيطرة فكرة قوتهم وعلوهم عن الآخرين وفي ذات السياق فان الفكرة المسيحية والاسلامية من حيث الجوهر وسياقها التاريخي ظهرت من بين الفقراء المظلومين لتثور على فكرة الظلم الذي عبرت عنه فكرة الاحبار الذين كانو يمارسون تبرير ظلم السادة والأمراء والملوك والسلاطين والامبراطوريات.

إن أي قراءة لدور الدين في التاريخ ولكي ننصفه علينا أن نوظف جوهر فكرته من حيث أنها ظهرت في سياق الصراع ما بين الظالمين والمظلومين. إن استمرار سيادة الفكرة الدينية في عقول الفقراء والعامة لكونها ما زالت مفاعيلها قائمة بانها من الممكن أن تكون مدخلاً لسيادة العدالة الانسانية في حدها الأدنى وخلاصًا روحيًا لايجاد موقع في العدالة الالهية ما بعد الحياة في هذه المجتمعات التي ما زالت فكرة العدالة متلازمة مع الفكرة الدينية. وللأسف فإن القوى المستبدة أدركت حاجيات المجتمعات للعدالة وبسطها وهي تدرك بذات الوقت بأن هذه الشعوب اذا ما أخذت العدالة بأيديها فانها ستحققها إلى نهاياتها وبالنتيجة فان مصالحها وتحكمها بمقدراتها وخيراتها التي هي سبب رفاهيتهم واستمرار سيطرتهم سيتنتهي فأعادت انتاج وتوجيه تحقيق العدالة الانسانية من خلال ايجاد أدوات تحقيق العدالة الالهية وهنا أنتجت الأدوات السياسية الدينية التي عرفت نفسها بأنها هي صاحبة الحق الالهي في تحقيق العدالة الانسانية القائمة على معاييرها الخاصة كجماعة التي اختلفت فيما بينها وأنتجت جماعات وقوى وتنظيمات عبر التاريخ منذ الأندلس حتى يومنا هذا هذه الجماعات والقوى التي كانت تحارب وتكفر كل العلماء والفلاسفة وبذات الوقت تحمي وترعى العصابة التاريخية التي سرقت العدالة الانسانية منذ فجر التاريخ.

وليس صدفة أن يفتتح غداء مؤتمر وارسو بأن هذه الغرفة تجمع قادة اليهودية والمسيحية والاسلام. هذه المقولة التي يجب فضحها بأن هذه القاعة جمعت من سرقوا فكرة العدالة التي أطلقها (الرسول )المسيح وفكرة التحرر التي اطلقها (الرسول) محمد وسارقي فكرة (الرسول) موسى ونصائحه لقومه بأن لا تسرقوا أو تقتلوا. هؤلاء من اجتمعوا هم ممثلي سارقي العدالة الانسانية والروحية. العدالة مفهموم نسبي مرتبط تحقيقه بظروف الزمان والمكان ولكنه مطلق من حيث السياق التاريخي والسعي لتحقيق العدالة مرتبط بمدى وعي حاملين رايتها لارتباطها بالموروث التاريخي والحضاري للشعوب.

في كل مراحل التاريخ الانساني كانت العدالة الجمعية هي مطلب يتصارع عليه الفقراء مع غاصبين خيراتهم وقوتهم هم يعملون ليل نهار ومغتصبيهم يتربعون على رأس الهرم يتمتعون. كل القصص والابداعات الفكرية الأدبية هي من تكلمت عن الفقراء والمستضعفين ولا يتوانى الظالمون عن تقديم الجوائز والهدايا للكتاب الذين يبدعون في وصف حالة الفقراء وتراهم يفتخرون بهذا. العدالة لا تتحقق إلا عبر العمل الدؤوب لتحقيق العدالة الجمعية للمجتمع التي تحمل المساواة للجميع عبر المشاركة الخلاقة التي تحترم حرية الخيارات الانسانية وتطور وعيها الانساني عبر تعميق النشاط الاجتمعاعي والاقتصادي وتعبيراته السياسية الجمعية وتحول النجازات الجمعية إلى منظومة قانونية تحمي ما أنجز من عدالة جمعية.