اعتاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ أن تولى مقاليد السلطة منذ عامين، أن يسير بسياسة بلاده في الاتجاه المعاكس لسياسة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لكنه يجد نفسه، سواء بإرادته، أو بغير إرادته، يسلك طرق أوباما ومساراته في ممارسات عدة، من أبرزها الآن التخطيط لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا.
انحاز الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لموجة ما عُرف ب «الثورات الملونة» في دول عديدة في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، لكن أهم معاركه التي حملت شعار «الدفاع عن الديمقراطية وإسقاط الاستبداد» كانت في عالمنا العربي وحملت اسم «الربيع العربي» وهو الاسم الذي اختاره أوباما، أو على الأقل انحاز إليه. كما عمل أوباما على سحب قوات بلاده من الخارج في سياسة تتعارض تماماً مع سياسة سلفه جورج دبليو بوش. وتزعم أوباما دعوة سحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان. وإذا كان الرئيس ترامب قد أعطى لنفسه مهمة هدم كل ما بناه أوباما من سياسات، خاصة الاتفاقات الدولية مثل اتفاقية المناخ، ودعم التجارة الحرة مع الشركاء في مجموعة الدول الصناعية السبع، والاتفاق النووي مع إيران، فإنه وإن كان قد انسحب من اتفاقية المناخ ومن الاتفاق النووي، وفرض رسوماً جمركية في تجارة بلاده مع شركائها الكبار (مجموعة الدول الصناعية وروسيا والصين) فإنه يعود لنهج سياسات أوباما في قضايا أخرى، فهو وباسم «أمريكا أولاً»، قرر سحب قوات بلاده من سوريا، وأفغانستان، لكن الأهم الآن هو أنه لم يعط أي أهمية أو أولوية لدعم الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان ضد حكومات مستبدة، على نحو ما كان يفعل أوباما، وبنى علاقاته مع الدول التي تدعم المصالح الأمريكية، متجاهلاً ما إذا كانت مستبدة، أو ديمقراطية، نجده الآن يتجه إلى نهج سياسة أوباما الخاصة بالانحياز لشعار الدعم الديمقراطي ودعم خيارات الشعوب في الأزمة التي تعمدت واشنطن تفجيرها مع حكومة فنزويلا وشخص الرئيس نيكولاس مادورو.
واشنطن، وكما أضحى مؤكداً، وعن طريق نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، وعدد من الوزراء، وصقور الكونجرس، وحسب ما نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، هم من حفزوا خوان جوايدو زعيم المعارضة الفنزويلية رئيس البرلمان (35 عاماً) ابن جامعة جورج تاون الأمريكية على تفعيل المادة 233 من الدستور الفنزويلي التي تعطيه حق إعلان نفسه رئيساً مؤقتاً للبلاد بحكم كونه رئيس البرلمان، لحين إجراء انتخابات رئاسية جديدة في البلاد، مع وعد باعتراف رسمي أمريكي بهذا الإجراء، وهو ما حدث يوم 23 يناير/ كانون الثاني الفائت، وكان هذا الاعتراف الأمريكي بشخص جوايدو هو بداية المخطط الأمريكي الجديد في أمريكا اللاتينية، وبالتحديد في فنزويلا لإسقاط النظام.
ملامح ربيع لاتيني ربما تلوح في الأفق، أو هكذا تخطط واشنطن في ظل اعتمادها سياسة الضغوط الاقتصادية، أو بالتحديد فرض حرب اقتصادية- تجارية ونفطية، وتجميد الأصول على فنزويلا، لوضع النظام في صدام مباشر مع الشعب والجيش، وتحفيز الجيش والقوات الأمنية على الانحياز للمعارضة لإسقاط النظام.
ويبدو أن هذا الرهان قد فشل، بعد أن أكدت القوات المسلحة الفنزويلية انحيازها للشرعية، أي لنظام الرئيس مادورو، ورفضها الاعتراف بزعيم المعارضة رئيساً، الأمر الذي دفع البيت الأبيض للحديث عن أن: «كل الخيارات مطروحة على الطاولة»، أي الحل العسكري.
اعتماد الرهان العسكري كخيار لإسقاط النظام يواجه تحديات هائلة، فهو مرفوض من دول «مجموعة ليما» في أمريكا اللاتينية، وكندا، التي وإن كانت تدعم مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة في فنزويلا، وتؤيد مجيء جوايدو رئيساً للبلاد، إلا أنها ترفض الخيار العسكري، كما ترفضه دول أخرى في أمريكا اللاتينية، والوسطى، خاصة المكسيك وبوليفيا وكوبا، إضافة إلى روسيا والصين وجنوب إفريقيا و تركيا وإيران.
كثيرون ممن راهنوا على رهان الغزو العسكري كانوا يعتمدون على أن روسيا لن تستطيع التدخل لحماية النظام الفنزويلي، كما فعلت في سوريا، لكن التحدي الأهم للخيار العسكري الأمريكي ليس مرجعه روسيا أو الصين، أو الرفض الدولي، بل مصدره الأهم من داخل الولايات المتحدة، فالأزمات الداخلية التي تواجه الرئيس مع الكونجرس والرأي العام لن تمكنه من التورط في صراع عسكري جديد في الوقت الذي يحارب فيه ضد الكونجرس دفاعاً عن قراره الانسحاب من سوريا ، كما أن التحدي الأهم الآخر يكمن داخل فنزويلا نفسها لكونها أضحت محسوبة على أحد طرفي الاستقطاب الدولي الذي يواجه الولايات المتحدة وعلى رأسه روسيا والصين.
فنزويلا نجحت في توثيق علاقاتها الدفاعية والاقتصادية مع روسيا والصين وتملك قدرات عسكرية وأسلحة روسية متطورة قادرة على إفشال أي غزو خارجي.
كل هذا يعني أنه إذا كانت روسيا لن تستطيع التدخل في أزمة فنزويلا على نحو ما فعلت في سوريا، فإن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تغزو فنزويلا على نحو ما فعلت في العراق، ومع هذه الاستحالة سيبقى طموح ترامب في «ربيع لاتيني» في فنزويلا مجرد «أشباح وخيارات في ظلام دامس».

