مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتفق المنتصرون على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، والتي قيل إن مهمتها الأولى هي «حفظ الأمن والسلام الدوليين»، بينما كانت الحقيقة هي تقاسم مغانم الحرب ومناطق النفوذ في العالم. ومنذ اليوم الأول كان واضحاً أن نتيجة ذلك انقسام العالم إلى «فسطاطين»: المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي خرجت بأقل الخسائر في الحرب، والمعسكر الشرقي (الاشتراكي) بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي تحمل الجزء الأكبر من تلك الخسائر. الوضع الجديد الذي أدت إليه نتائج الحرب، أنتج عالمياً ما عرف باسم «فترة الحرب الباردة»، التي كان الاتفاق الضمني خلالها بين المعسكرين يتلخص في منع نشوب حرب عالمية ثالثة، والتنافس «سلمياً». في هذه الفترة عرفت «الحروب بالوكالة» التي كانت ضحاياها دول «العالم الثالث» أو ما أطلق عليها «الدول المتخلفة» حيناً و«الدول النامية» حيناً، عندما يراد تلطيف المصطلح!.
وفي بداية تسعينات القرن العشرين، ونتيجة ل«الحرب الباردة»، انهار «المعسكر الاشتراكي» بانهيار الاتحاد السوفييتي، وبدا أن سيطرة «المعسكر الغربي- الرأسمالي» بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ستكون بداية ل«سيطرة القطب الواحد»، حتى إن البعض أطلق على القرن الحادي والعشرين، «القرن الأمريكي». لكن سرعان ما تبين خطل هذا التصور، وعادت الدولة الوارثة للاتحاد السوفييتي، روسيا الاتحادية، إلى المسرح وبقوة، ليعود الحديث مجدداً عن «الحرب الباردة» والتنافس الدولي، ولكن هذه المرة مع حديث عن «عالم متعدد الأقطاب»، مع دخول الصين بقوة، اقتصادياً، على الخط.
في هذه المرحلة الجديدة من الوضع الدولي، حدث ما يشبه «إلغاء» الأمم المتحدة. وكان ذلك واضحاً من خلال الشلل التام الذي أصاب «مجلس الأمن». واكتمل المشهد الهزلي بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مع ما حمله من توجهات يمينية وعنصرية، وانحياز مطلق للكيان الصهيوني، وعداء لقيم العدل والتحرر وحقوق الإنسان، ليصبح شلل «مجلس الأمن الدولي» أوضح، وليصبح في أحيان كثيرة مكتباً ملحقاً بالخارجية الأمريكية.
وللوقوف على حالة «العجز» التي وصل إليها «مجلس الأمن الدولي»، يكفي أن يتوقف المرء عندما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة من انتهاكات وجرائم يومية، غيّبت «القانون الدولي» وداست على «القانون الدولي الإنساني»، وجعلت العالم أشبه بحارة يتحكم فيها بلطجي! وآخر الأمثلة القريبة على هذا «العجز التام» ما كان من أمر طرد بعثة المراقبة الدولية في مدينة الخليل.
ومتزامناً مع الذكرى الخامسة والعشرين لمجزرة الحرم الإبراهيمي، قرر رئيس الوزراء «الإسرائيلي»، بعد طلب قدّمه وزير الأمن الداخلي جلعاد إردان، عدم التجديد لبعثة المراقبة الدولية في الخليل، متهماً إياها بالانحياز للفلسطينيين، وبالتدخل في عمل الجيش «الإسرائيلي»!، ونقل عن نتنياهو قوله: «لن نسمح بمواصلة وجود قوات دولية تعمل ضدنا»!، ورحب مسؤولون «إسرائيليون» بالقرار، وقال الوزير زئيف إلكين: «لسنا بحاجة إلى مراقبين أجانب في مدينة الآباء»!، وزعم أن الخليل «تعود لشعب ودولة إسرائيل»!، وهكذا فإن القرار والتصريحات اللاحقة تدل على النوايا المبيّتة، إذ ليس المقصود إبعاد الشاهد الوحيد على جرائم وانتهاكات المستوطنين والجيش «الإسرائيلي» فقط، بل يدل على النوايا والمخططات المبيّتة تجاه المدينة. وكان مجلس الأمن قد شكل بعثة المراقبة في أعقاب مجزرة الحرم الإبراهيمي، التي ارتكبها الحاخام اليهودي باروخ جولدشتاين في رمضان من العام 1994، وذلك «لحماية المدنيين الفلسطينيين» في المدينة.
وكالعادة، أفشلت الولايات المتحدة مشروع قرار للتعبير عن «الأسف»، وبينما أسفت دول أوروبية وكذلك روسيا والصين، فإن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، قال إنه «يواصل العمل مع الدول ذات الصلة لضمان حماية وسلامة المدنيين الفلسطينيين»!، ولم يسمع أحد بعد ذلك شيئاً حول الموضوع!، لقد اعتبر أحد الدبلوماسيين أن ما جرى «يدل على عجز مخيف لمجلس الأمن»!، والحقيقة أن ما وصل إليه هذا المجلس، حوّله إلى كيان يشجع على إنهاء دور الأمم المتحدة المزعوم، وأداة من أدوات الإرهاب الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة و«إسرائيل»!!

