Menu
أوريدو

فنزويلا واستحقاق 23 شباط

حاتم استانبولي

فنزويلا.jpg

23 شباط كان يومًا وقعُه مختلف في كلٍ من كراكاس وواشنطن؛ كراكاس كانت تراه يومًا مقاومًا للتدخل بشأنها الداخلي، وواشنطن كانت تراه مدخلًا لتغيير النظام.

كراكاس تحركت لمواجهة استحقاقات 23 شباط على عدة محاور داخلية وخارجية.

داخليًا: عزّزت المشاركة الشعبية في حماية نظام الأغلبية المستنِد إلى نظام التوزيع العادل للخيرات، وحماية المناطق النائية واعتماد سياسة تؤمن التنمية للمناطق. عملت على تعزيز المشاركة الشعبية لمساندة موقف الجيش في موقفه الوطني في حماية فنزويلا من أي تدخل خارجي.

خارجيًا: كراكاس أرسلت وزير خارجيتها إلى الأمم المتحدة في مناسبتين: الأولى لاجتماع مجلس الأمن الذي ناقش الوضع في فنزويلا، التي أرادت منه واشنطن إعطاء مشروعيةٍ لقرارها في تنصيبها رئيسًا جديدًا لفنزويلا، بديلًا عن رئيسها المنتخب، في سابقةٍ إذا ما شُرِّعَت ستكون إطلاق رصاصةِ الرحمة على القانون الدولي الإطار الناظم للعلاقات الدولية. والزيارة الثانية كانت لتأكيد موقف فنزويلا بأنها ليست ضد تقديم المساعدات الإنسانية، وأبلغت الأمين العام أن كراكاس توافق على دخول المساعدات تحت راية الأمم المتحدة، وعبر الممر الشرعي الحكومي للدولة الفنزويلية.

واشنطن، أرادت من المساعدات غطاءً للتدخل وإعطاء مشروعية لدميتهم غواديو، حسب وصف الرئيس الشرعي مادورو. وأرادت من قرارها تعيين غوايديو رئيسًا لإعطاء زخمًا للانتصارات التي حققتها في كلٍ من الأرجنتين والبرازيل والإكوادور وكولومبيا، فهي تعلم أنّ إسقاط كراكاس عامل مهم للحفاظ على انتصارات اليمين اللاتيني.

أمريكا اللاتينية شهدت تغييرًا في المشهد السياسي والاقتصادي، الذي اختلف جوهريًا عن العقود السابقة، حيث كانت أمريكا هي العامل المقرر في بقاء النظم وتغييرها.

وواشنطن أعلنت عبر تصريح رئيسها أن المعركة مع بعض دولها، عنوانُها أيديولوجي "حربًا ضد الاشتراكية"، وترى خطر كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا وحتى المكسيك خطرًا داهمًا على مصالحها.

واشنطن تدرك أن مستقبل التطورات السياسية والاقتصادية في فنزويلا سينتهي بخروج المصالح الأمريكية وتأميم الشركات النفطية؛ العامل الأهم في تقرير موقف واشنطن من النظام الفنزويلي البوليفاري، ودائمًا كوبا حاضرة في أذهان واشنطن، بعد أن تحولت الأولى من كازينو أمريكي إلى دولةٍ اشتراكية تمتلك إرادتها.

فنزويلا أصبحت مركزًا للتداخل والصراع بين المصالح الأمريكية القديمة والمصالح الروسية والصينية التي تنظر إليها واشنطن على أنها تشكل خطرًا داهمًا بمستوى خطر أوكرانيا لروسيا وتايوان للصين.

واشنطن ترى أن 2019 عاملٌ حاسمٌ لإدارة ترامب، لحسم عناوين قبل دخول البيت الأبيض في مرحلة السبات الانتخابي الرئاسي الداخلي، الذي سيكون صراعًا مفتوحًا مع ترامب وحلفائه من قبل خصومه العابرين للحزبيْن الرئيسييْن.

المقاربة بين الوضع السوري والفنزويلي من حيث الجوهر في عنوان تغيير النظام صحيحة، ولكن المفارقة التي تجعل من الكثيرين، إن كانوا في واشنطن أو من أصدقائها في دول أمريكا اللاتينية، ينصحونها بأن الإقدام على تغيير النظام من خلال القوة المسلحة سيفتح الباب أمام تطورات لا يمكن التكهن بنتائجها على القارة اللاتينية.

البعض يطرح استنساخ التجربة السورية في فنزويلا، الظرف السوري مختلفٌ من حيث التركيبة الاجتماعية واتجاهاتها والقوى الفاعلة فيها. في سورية تمكنت واشنطن وحلفاؤها من الاستثمار والاعتماد على قوى يمينية ذات أبعاد دينية في محيط محلي وإقليمي، اتجاهاته العامة تسودها اليمينة، وميزان القوى كان يميل لصالحها مدعومةً بنظمٍ ترعى وتدعم ماليًا وتستثمر في أكثر القوى تطرفًا، وعملت على تشكيل تحالفٍ تحركه أكثر القوى الرجعية في المنطقة، مستندًا إلى تداخل مصالح قوى مذهبية وطائفية وقومية، تحت عناوين الحرية والعدالة، هذه الشعارات التي تتناقض مع بنية هذه القوى، التي سقطت في أول امتحانٍ لها في مصر، وتشهد تراجعًا في تونس، وهزيمةً في سورية، وانحسارًا في ليبيا .

أمّا أمريكا اللاتينية، فإن القوى التي تستند عليها واشنطن هي قوى رأسمالية، من خلال شركات متعددة الوظائف استفادت من بعض أخطاء القوى اليسارية التي استلمت السلطة.

النظم ورغم يمينيتها فهي ليست متحمسة لمساندة دعم التغيير، عبر التدخل المسلح في فنزويلا، لأن القوى اليمينية تدرك أنها نجحت عبر فارقٍ ضئيلٍ في انتخاباتها، وهي لا تملك الإمكانيات المادية لتحمّل نزاعٍ مسلّحٍ يدوم لسنوات، مما يشكل ضغطًا على اقتصادياتها، التي أصلًا تعاني من مشكلات عميقة.

المنحى التاريخي لتطور المجتمعات اللاتينية، حكمتُه معاداة الاستعمار الخارجي، وفكرة اليسار هي فكرة لها مدلولاتها التاريخية وترابط النضال اللاتيني الذي مثّلت الجيفارية والبوليفارية والساندانية والكوبية ملامحه العامة، هي بالمعنى الملموس لا تخدم سياسة التدخل العسكري المسلح وإنما من الممكن أن تشكّل قيام جبهة مسلحة تشمل معظم الدول لمواجهة النظم اليمينية ومصالح واشنطن الحيوية.

أما عن كولومبيا وحدودها مع فنزويلا، التي كانت دائما معقلًا وخاصرة ضعيفة، بسبب تحكم مافيات التهريب بكل أشكاله، هذه المافيات التي لها حاضنة اجتماعية على طرفيْ الحدود دخلُها المعيشي مرتبطٌ بحركة المافيات الكولومبية واليمين الفنزويلي، إذ يُشكّل المتضررون من سياسات الحكومة الداعمة للفقراء سببًا في حصار نشاطهم الاستغلالي.

المغامرة الأمريكية المسلحة، إذا ما ارتُكِبَت، فإنها ستفتح بابًا لتغييراتٍ في لوحة الصراع الاجتماعي، ونتيجة الفقر العام الذي يسود المجتمعات اللاتينية الذي ينظر إليه على أن أحد أهم أسبابه هي النظم العسكرية حليفة واشنطن، التي كانت تستبيح هذه الدول وتسرق خيراتها.

واشنطن تريد أن تعيد إنتاج هذه الأنظمة ولكن تحت عناوين الحرية والعدالة والديمقراطية ومجابهة الفقر، التي هي بالأساس مسؤولة عنه تاريخيًا، وحاليًا عبر ممارستها للارهاب السياسي والاقتصادي من خلال محاصرة النظم التي ترى واشنطن أنها تشكل خطرًا على مصالحها بغض النظر عن أيديلوجيتها.

فعنوان الخطر الاشتراكي أو الشيوعي هو فزاعة تستخدمها هذه الإدارة التي تعبّر عن تحالفٍ له أبعاد أيديولوجية ودينية، يريد أن يستثمر وصوله إلى البيت الأبيض، والقوى المحركة له تعبر عن تحالفٍ بين الأرثوذوكسية اليهودية المتطرفة والمسيحيين الجدد المتصهينين .

كراكاس نجحت في اختبار 23 شباط وفرضت أجندتها، لكن المعركة ما زالت مستمرة وهنالك جولاتٌ نتائجها ستطال مستقبل القارة الجنوبية.