Menu

الجبهة الشعبية: مفارقة للتفكير!

د. وسام الفقعاوي

قبل أن تبدأ مسيرة "العودة الكبرى وكسر الحصار"، كانت قد دعت الجبهة إلى مسيرات جابت كل محافظات القطاع، تحت شعارات وطنية ومطلبية، ركيزتها: إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة ومواجهة الفقر والبطالة وصيانة الحريات العامة..، وبحق لم يجرِ الاعتداء "الخشن" على هذه المسيرات من قبل أجهزة الأمن في غزة. بالتزامن مع ذلك، كانت الجبهة إلى جانب قوى أخرى: حماس والجهاد وفتح والديمقراطية والحزب وغيرهم، تبادر لإطلاق مسيرة العودة في ذكرى يوم الأرض 30/3، وما أن انطلقت تلك المسيرات، أوقفت الجبهة برنامج حراكها الداخلي ودعت كل قياداتها وكوادرها وأعضائها للانخراط في هذا الفعل النضالي الشعبي، ودفعت كما غيرها الضريبة من شهداء وجرحى ومعاقين.. الخ، وكانت في أول القوى التي تبادر إلى صياغة البيانات والتوجيهات الصادرة عن الهيئة العليا للمسيرات، والمتواجدة قيادة وعناصر في كل فعاليات المسيرة، ورفضت كل المساومات على أهدافها، كما الدعوات التي انطلقت لإيقافها.

طوال عام، كنا نسمع من الإخوة في قيادة حركة حماس إشادة بالمواقف الوطنية للجبهة الشعبية، سواء داخل الاجتماعات المثبتة بمحاضر موثقة، أو على شاشات الفضائيات ومواقع الإعلام المختلفة، أوفي الفعاليات الجماهيرية - للدرجة التي باتت الجبهة متهمة من قطاعات شعبية عديدة وأحزاب وحركات أيضًا، بأنها تجلس في "حضن"  حماس - ولم تعطِ بالًا لكل هذه "التقولات".

فجأة، في ليلة وضحاها انقلب كل شيء، وأصبحت الجبهة، تلصق بها كل التهم المشينة، من تخوين وزندقة والاصطفاف إلى جانب "سلطة رام الله" والسعي لتأليب الناس ضد حماس، وتعرض العديد من أعضائها وكوادرها ولا زال للضرب والإهانة والاعتقال إلى جانب أبناء شعبنا الذين رفعوا مطالب واضحة في شعاراتها خلال تحركاتهم.

المفارقة التي بحاجة للتفكير بكل تعقل ومسؤولية هنا تطال الأيديولوجيا والسلطة والسياسة والمجتمع، ما بين حفظ حق الاختلاف والتباين والتناقض في الأراء على قاعدة أن في (التناقض حياة)، وليس من على قاعدة من ليس معي فهو ضدي التي تجعلك تتحرك في المواقف من النقيض إلى النقيض، على طريق إلغاء وإقصاء الآخر. وكذلك ما بين السلطة والحفاظ عليها وعلى امتيازاتها ومصالح تركيبتها الفوقية، وأن تكون سلطة قمع واغتيال للرأي والجسد معًا. وكذلك ما بين السياسة الداخلية وأخلاقياتها التي يجب أن تتمتع بها القوى وقيادتها، وهي الوضوح والثقة والاحترام والابتعاد عن الكذب والتدليس وتمويه الحقائق، وفهم أولويات العلاقات الداخلية وصحتها، ومستوى تماسكها الداخلي في مواجهة المؤامرات الخارجية، وكذلك ما بين النظر والتمعن في واقع المجتمع "حاضنة المقاومة" التي لا مقاومة فعلية وحقيقية بدونه، والوقوف على معاناته وهمومه ومطالبه ومظلومياته، وتخفيف الأعباء عن كاهله، وحماية جبهته الداخلية من الاختراق تحت ضغط الأوضاع الحياتية والمعيشية. فهذا مجتمع الحرية التي نسعى إليها، بحيث نغدو مطالبين بحماية حقوقه وكرامته الوطنية والاجتماعية، وليس التعاطي معه وكأنه مجتمع "القطيع" الذليل المقاد من قبل الراعي، وهذا ليس شعبنا ولن يكون أبدًا، وشواهد التاريخ كثيرة.     

أخيرًا، قيادة الجبهة الشعبية، بحاجة أن تقف أمام هذه المفارقة بكل جدية، كما أن الأخوة في حركة حماس مطلوب منهم ذات الوقفة، كي لا نعدو تلك اللقمة السائغة في فم أعدائنا الداخليين والخارجيين معًا.. وتذكروا: بأن "القلاع لا تقتحم إلا من الداخل".. ونحن ليس بقلعة للأسف، لأن قلعتنا في وحدتنا وهذه بعيدة المنال في ظل سيادة ذهنية تتعاطى السياسة، وكأنها "فن شطارة تهشيم المجتمع والوحدة معًا".