مابين الامس واليوم اختلفت المعطيات , وتغيرت المفاهيم وبدلت الاهداف او اختزلت , فالقضية لم تعد قضية والقائمون عليها ليسوا مدافعون عنها , نزيف لازال يسيل ولم يتوقف رغم الاختلاف بالاولويات سواء بالمواقع السياسية او الجغرافية على حساب الانسان والقضية.
لكن مهما اختلفت يبقى هناك عنوان يلمنا بل يستر عجزنا عن رؤية البوصلة السليمة نحو الوطن المسلوب منا والمحروم من انسانة , ذلك العنوان الذي يشدنا نحو التفاعل والوقوف لردع الذات اللامبالية , تجاه من على اكتافهم بعد الشهداء رسمت خارطة الوطن المحتل ,وبقيت راسخة برسمها عند كل لحظة تمر يقتاد فلسطيني حر نحو غرف التحقيق وزرد السلاسل .
هم الاسرى الذين يؤكدون على مدار اللحظات والبدايات التي يتم بها اعتقالهم من قبل رجالات المخابرات وجيش الاحتلال , ان القدس لن تعزل او تهود , والضفة برميل بارود ... ينتظر المصير , وفلسطيني الداخل ملح الارض الصابر , كل مترابطون هناك خلف القضبان تجمعهم غرف الموت والاكياس الحجرية تحت سماء قلاع الاسر المنتشرة في ساحات الوطن السليب .ففي ظل التمزق الذي تشهده القضية والانقسام الاسود الجاشم على قلوبنا قهرا , وعدم التوصل والتفاهم هروبا نحو المصالح الفئوية المغلفة باسم الوطن , وعدم توفر النية الحقيقة للجهات المتصارعة من الانطلاق من نافذة الوطن يجمعنا .
وفي الاسر تبدو الصورة مكثفة اكثر , حيث تبرز الحالة السياسية الفلسطينية اوضح كون الاسرى ليسوا جماهير ينازع عليها او هم محل استقطاب سياسي ,هم امتداد طبيعي للانتماء السياسي والعقائدي بكل اطيافه ومشاربة من اقصى اليمين لاقصى اليسار الراديكالي , كل يعيش معا تحت وطأة الجلاد وزرد سلاسله , فليس مجرد يتاثرون بالحالة , قدر ما ينعكس عليهم بالممارسة الحياتية عند مختلف المحطات التاريخية للقضية الفلسطينية , الانتفاضة الاولى ,اعلان الاستقلال ,اتفاقية اوسلو, الانتخابات التشريعية بمرحلتيها ,المقاومة ,الانقسام الاسود.
لكن على الاطلاق لم يكن تاثير أي محطة من تلك , جرحا وقتلا من الانقسام البغيض , الذي ارهق الحركة الاسيرة وادخلها في متاهات , لم تكن تدرك انعكاساتها على الخصوصية التي يعيشون داخل السجون , وانهم تحت قبضة يد العدو (السجان) وتحت سياطه , مما جعل للازمة بعدا اصعب واقسى مما تصورت قيادة الحركة الاسيرة , والقى بظلالة على الميدان او الساحات النضالية لدي الاسرى ,العمل الجماعي والتنسيق ووضع الخطط والبرامج ورصد الاهداف المشتركة ,وكما الواقع بساحات الوطن مزق امتد ذلك ليصل للاسرى عبر الفصل الجغرافي مابين الراسين المتحاربين لحين .
لم يمر الانقسام مرور الكرام على الواقع دون رصد ادارة مصلحة السجون وعقلها المدبر المخابرات , لاستغلاله افضل استغلال نحو مزيدا من الفرقة والتمزق والكراهية ,هي فرصتها للانقضاض على كل منجز وطني ثبت بالدم والمعانياة الطوال ,لبسط النفوذ وهدم البيت الوطني من الداخل .
كبر الخلاف وتوسع الشرخ والازمة استفحلت حتى بين اخوة القيد والظرف ,لكن الباعث للآمال ان مصلحة السجون لم تغير من سياستها تجاه المنقسمين رغم تنوع اساليبها وتجددها ,بل زادت من قمعها وحرمانها وقهرها للاسرى بتفاوت لا يذكر , بل بقي الاذلال والمماطلة والتسويف عناوين راس سياسات ادارة السجون تجاه الجميع .
صحيح انهم حتى اللحظة منقسمون كامتداد طبيعي لخارج القضبان ,واتخذوا كثيرا خطوات نضالية وبرامج مواجهة منفردة بعيدا عن التنسيق والترتيب الداخلي ,بل وان توفر الرد بالرفض من الطرف الاخر ,لكنها تبقى ساحة المواجه الاكثر التهابا من أي ساحة اخرى بالوطن ,والعدو معني بالدرجة الاهم بقتل كل انسان فلسطيني حر .
وكما بادر الاسرى وتحركوا حرصا على مصلحة الوطن فوق الجميع وان لا صوت يعلوا فوق صوت الوطن ,وقدموا وثيقة الوفاق الوطني وكمحاولة منهم لراب الصدع ولم الشمل بالبيت الفلسطيني السياسي والجغرافي ,التي للاسف لم تلقى الارادة الحقيقية نحو التطبيق العملي , ورغم ذلك لن يبقوا مكتوفي الايدي وسيعاودون مرة ومرة للانطلاق ممجددا نحو وطن موحد بارادة موحدة وبهدف موحد ,ولن ينتظرون طويلا فالعامل الموضوعي يضغط بتجاه الوحدة مهما تبين شكلا الامر عكس ذلك ,وسوف يدركون مجددا الاسرى المصلحة الوطنية النابعة من خصوصيتهم النبيلة بالواقع المفروض والانتماء للوطن ,وسيبعث من جديد عبر الاسلاك الشائكة مبادرات تعبر عن الرفض للواقع المؤلم .

