في يوم الأرض، الذي يأتي مترافقاً في آذار، شهر الدحنون، مع يوم الأم، اليوم العالمي للشعر، لن نجد أعمق من عبارة شاعر الرفض أمل دنقل في تشبيهه الأرض بالمرأة العفيفة التي تتطيب للفقراء، فيعطونها الحب فتمنحهم بالمقابل سلالة الكبرياء، أرض لا سكن فيها للأغنياء المرتشين الذين يصوغون حياتهم بقدر غرقهم في الخيانة والسمسرة وبيع المبادئ في سوق نخاستهم الكاسد.
وكما اختصر دنقل صاحب قصيدة "لا تصالح" تفاصيل عالمهم الدنيء بقوله في إحدى قصائده:
"قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن.
هذه الأرض حسناء، زينتُها الفقراء لهم تتطيب،
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء.
قلت: لا يسكن الأغنياء بها. الأغنياء الذين
يصوغون من عرق الأجراء نقودَ زنا.. ولآلئَ
تاجٍ.. وأقراطَ عاجٍ.. ومسبحةً للرياء.
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين؛
يموتون محتسبين لدى العزاء".
لقد جمع الشاعر دنقل في عباراته المكثفة كل صفات من يسمون أنفسهم اليوم على المنابر قادة الثورة سواء كانوا رعاة الكذب والخيانة باسم الوطنية أو دعاتها تحت غطاء الدين، لكن أحرار
وطن العشق المدمّى "فلسطين" يثبتون كل لحظة ومع كل عملية فدائية نوعية أنهم وحدهم صناع القرار الوطني المستقل ولن يكونوا يوماً الفقراء الذين يموتون مجاناً محتسبين في سرادق عزاء المتسلقين على بطولاتهم، حتى لو جاءت عملية إغتيال البطل كأسرع فعل عمالة خسيس فلا جنازة ولا مشيعين للثوار كما الشهداء، والروايات التي سطرها غسان وعدي وعلاء أبو جمل وفادي القنبر وبهاء عليان وباسل الأعرج وأحمد جرار وأشرف نعالوة ومهند الحلبي وضياء التلاحمة، ولن يكون آخرها أسطورة منفذ عملية سلفيت، بغض النظر عن سرية الاسم أو علانيته، ستبقى بمحيط دمهم القاني ورؤيتهم الشديدة الوضوح ورود شقائق النعمان الربيعية في يوم الأرض، فهم الملك الغالب الذي لا يعرف السيف الأجير ولا الوجه اللصوصي ولا النحيب على بوابة القدس القديمة، بل كل حلمهم أن يصطف ثوار الوطن معهم في معركة الوجود وعلى درب عهد الامل والتحرير .
هنا لا نكتب شعراً ولا نخط القصائد الوهمية من زمن غابر، ولا نحاول التحايل على خيبتنا أمام الإمعان في الخيانة حيث تبقى تفاصيل الإشتباك بين البطل وكل الحشود المدججة للعدو تأكيدا صارخا على ميزة لغة الحقيقة حيث الشك والتشكيك يساعدان على إشراقها أكثر فأكثر، فكل عمل بطولي في الأرض المحتلة يكرس دلالات عمق الدستور الثوري "المقاومة جدوى مستمرة" الذي خطه الشهيد باسل الأعرج إرثاً لا يفنى وفعلاً تراكمياً مستمراً لا يمكن أن ترتعش سواعد من يؤمنون به مهما علت جرعة الخزي والعار ومن هنا يكتسب الإستمرار في الكتابة عن عملية سلفيت أهميتها قبل أن يطوى الفعل الثوري المختلف والحقيقي في غياهب النسيان خاصة مع تسيد مهازل ما يحدث في باحات القمع المترافقة دوماً مع منابر التشدق بالحريات ومناوشات المكائد التافهة بين قادة المناورات السياسية وأسياد الغدر العلني.
فعملية بركان سلفيت أولاً، للتصحيح، لم تُعِدْ توجيه البوصلة، وتصويب المسار ونقل المعركة لميدانها الطبيعي والحقيقي. كما صرح أحد الانتهازيين المتسلقين على الحدث كالعادة، فالفارق شاسع بين من ينمق الكلام ومن ينطق بالحق، وكما قال أحد الكتاب أن "الكذب يستطيع أن يدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها، لأن بوصلة الأحرار لا تتيه يوما ولا تذلها هزيمة ولا تأبه بكواليس التسويات وخسة العملاء ولا يخيفها عدو جبان".
من هنا، من المهم لدى الكتابة عن عملية سلفيت كما غيرها من العمليات الفدائية أن يكون لدينا الوعي أولاً بأن اسم البطل المنفذ القادم يجب أن يحمى في شغاف القلب، ندثّره عميقاً كي لا يأتي الخفافيش ومندوبو العار ليدلوا عليه على إيقاع ضجيج مايكروفوناتهم الصوتية الفارغة من كل شيء إلا من كذبهم ، فأروع العمليات التي يختفي فيها المنفذ ولا يعرف عنه أي خبر يدل عليه. .
أما الدلالة الثانية للعملية البطولية فكانت في تخبط الكيان الصهيوني وارتباك جنوده ومنظومته الأمنية الهشّة وأجهزته التابعة الخائنة من سلطة المخبرين لدى العملية وحتى أثناء مطاردة البطل الذي تخللها دخول قوات العدو الخاصة متخفية في سيارات خضار قبل أن تقتحم أكثر من أربعين آلية عسكرية بلدة عبوين لتحاصر البطل الذي خاض معركة الوجود بشرف بإعتراف من مراسل القناة العبرية 13 الذي قال "لقد كان الاشتباك صعباً علينا وعلى ما يبدو ان هناك إصابات في الجنود الاسرائيليين، كل هذا حدث قبل أن يستشهد منفذ عملية سلفيت عمر أبو ليلى".حيث كان الشهيد وحده جيشا كاملا كما أثبتت عملية الإشتباك وما سبقها من إجراءات قوات الاحتلال بعد العملية التي قامت بإعتقال أكثر من 130 شابا فلسطينيا لتصل لمعلومة واحدة ولم تصلها إلا من مناديبها المعروفين عدا عن حالة الإستنفار الأمني الواسعة في كل الضفة الغربية المحتلة وتحريك كل عملائها من جيش لحد الثاني وتفرغ ثلاث وحدات عسكرية للوصول للبطل
وحدة يمام التي تضم تقسيمات عديدة من قرود الإرهاب ووحدتي اليماغ والمتيلان
( وحدات خاصة في شرطة حرس الحدود)
عدا عن التدخل المباشر لجهاز الشاباك بكل فروعه وقواته وعناصره البشرية والمادية.
-إضافة لعشرات الجنود الذين اقتحموا وحاصروا المنزل بعد اشتباك مسلح، وكأنهم يواجهوا جيشًا بأكمله ، ثالثاَ ومن جانب آخر وجب الإشارة إلى أن وسائل الإعلام المحلية والعربية الموقرة ليست بحاجة إلى اعتبار هوية القتلى الصهاينة، عامل إثبات على نوعية العملية، لأن الكيان الاستيطاني الغاصب بقادته وجيشه وجنوده وحاخاماته لا يحملون إلا الفكر الإرهابي البغيض، سواء تتلمذوا في المدرسة الدينية "عوز واموناه" أو في مدرسة عسكرية أو أشرفوا على مجزرة رفح عام 2014 أو عملوا
مستشارين لدى رئيس حكومة الاحتلال "نتن ياهو"، فكل العناوين والتخصصات والمناصب في القوانين الصهيونية تأسست على لغة القتل والجريمة المنظمة العنصرية الحقودة. أما الدلالة الرابعة فهي رسالة واضحة تؤكد أن المحتل لن يعرف الأمان والطمأنينة، طالما هناك أمٌّ فلسطينية تنجب سلالة البسالة، وترضع طفلها حليب الأرض، وتروي له سيرة الفداء.
لذا فإن تسليط الضوء على العملية النوعية المركبة يكتسب أهمية كبيرة لدلالاتها المتعددة، ولكونها درساً ناصعاً في تاريخ النضال ومسيرة الحرية والاستقلال، إذ أن ارتقاء أسلوب التخطيط ودقته والإرادة البطولية حتى لحظة الإستشهاد الأخيرة ستشكل نموذجاً للأجيال. وستبقى سيرة البطل تتردد في الحاضر والمستقبل، تروي أن شاباً فلسطينياً يحمل بين ضلوعه عشق وطن من بحره إلى نهره يسطّر سيرة فدائيّ، سائراً على خطى العائد الأول إلى حيفا بهويته الزرقاء على مفترق مستوطنة "آرئيل"، وينفذ عدة عمليات في آن واحد، حيث يطعن بالسكين جندياً صهيونياً مدججاً بالنار العنصرية والعتاد ليجندله في الحال، ثم يستولي على سلاحه ويطلق النار على جندي آخر. ورغم إطلاق قائد القوة النار على البطل وإصابته، إلّا أن الفدائي البطل يتابع تحديه وإصراره ويصيب صهيونياً آخر، ثم يستولي على سيارة ويطلق النار على الجنود والمستوطنين ويصيب أحدهم، ثم يختفي بسلام، حيث الأرض كلها حارسته وشجرة الزيتون حرزه الأخضر في مواجهة المحتل.
أليست هذه الخطوات الفذة المحكمة بكل تفاصيلها صفعة في وجه الاحتلال الغاصب وكل منظومة الأمن الصهيونية. أليست هذه العملية البطولية الكبيرة ضربة مزلزلة تكشف وهم الأمان الذي يدعيه قادة الاحتلال الصهيوني.
ولنتذكر جيدا ما أوردته صحيفة "معاريف" العبرية، بعد العملية مباشرة حيث أظهر "التحقيق الأولي لجيش (العدو الصهيوني) أن الجنود في موقع الهجوم، ولم يكن لديهم الوقت للرد بالنار على المنفذ الذي سرعان ما اختفى من المكان"، مؤكدة أن كاميرات المراقبة التي يزرعها الاحتلال كشفت أن جنوده لم يواجهوا البطل الفلسطيني ولم يشتبكوا معه، بل هربوا وابتعدوا في المناطق الثلاث التي نفذ الفدائي الفلسطيني عمليات الطعن وإطلاق النار البطولية فيها، قبل أن ينسحب بسلام.
أليست "عملية سلفيت" البطولية، وكل هذه التفاصيل بعيدا عن الولولة على المتوقع الذي حدث من العدو وعملائه الجبناء قبلا لعنةً عامةً على كل من يسعى لتحويل الشعب الفلسطيني إلى رهائن انتظار حلول استسلامية قاتمة ومشروعات خيانة علنية ذليلة واستحقاقات تقذف بنا إلى وحشة النفي الأبدي، بفعل قسوة تتابع الطعنات الغادرة ودهاليز فلسفة المواقف الملتوية الدائرة أبدا في فلك سياسة "اللعم"، والأخطر انتهازية من سياسات التجارة المعلنة بكل وقاحة وابتدال.
إن عملية سلفيت يمكن أن تتحول إلى بركان غضب وثورة عارمة، إذا تسلح الإعلام بالحكمة في أسلوب التعامل مع تداعياتها على اعتبار أنها عملية مختلفة من حيث حرفية التخطيط والمواجهة والإصرار الثوري رغم كل الظروف الأمنية والسياسية قبل أن تتحول ردود الفعل إلى مجرد شحنات انفعالية ولحظات فرح آنية تبتهج بالنصر لأيام ثم نعود إلى فخ خيبتنا القاتلة بعد شهادة المشتبك فهناك فارق بين صوت الحنجرة الصاخب وبين القرار الموجز الذي لا يمكن أن يطوى مع مشهد الجنازات اليومي في فلسطين ونحيب الأمهات الثكلى وصور الأسرى المحاصرين بعذابهم اليومي. فتراكم العمليات الفدائية هي الصرخة التي يجب أن تؤكد لنا جميعا ولكل من أصابته لوثة شك بجدوى الاستمرار بأن قدر المهزوم كما قال الشاعر المقاوم أمل دنقل:
"لا أرض.. ولا مال..
ولا بيت يردّ الباب فيه ..
دون أن يطرقَهُ جابٍ".
- الفعل الثوري بكل أشكاله هو الدليل الوحيد على قوة الفكرة في وجه الموت والهزيمة والخيانة وكل الأفكار العاهرة حيث سيبقى البطل حيا ملتحفا بتراب الأرض الحنونة أما من يخون الوطن كما قال معلمنا فلن يجد ترابا يحن عليه يوم موته وسيشعر دوما بالبرد حتى وهو ميت. .

