على شرف ذكرى عظيمة في كل معانيها وأبعادها، ذكرى يوم الأرض الخالد الذي تحول من يوم لفلسطينيي 48 إلى يوم لكل الشعب الفلسطيني، ومن ثم إلى يوم انغرس في وجدان كل عربي آمن بوحدة التراب العربي، لن نكتفي بتمجيد شهداء هذا اليوم، ولا بتحية جزء أصيل من شعبنا في الجليل والمثلث والنقب الذي صنع هذه المأثرة الوطنية العظيمة، بل إن الواجب يملي علينا أيضا أن نحلل ونبين لكل من فاته أن يعيش في زمن الملحمة الخالدة كيف تعاملت النخبة السياسية الفلسطينية مع مسألة الأرض منذ مباشرة الحركة الصهيونية لمشروعها على الأرض الفلسطينية الى اليوم.
1. إن الطابع المديني للنخب السياسية الفلسطينية منذ تشكيلاتها الأولى في العشرينات إلى اليوم قد جعل من نظرتها إلى الأرض كمسألة عقارية، أو أنه لم يعِ أكثر من الأساليب القانونية للوقوف ضد المصادرة وحركة بيوع الأراضي من قبل الارستقراطيات بمختلف أماكن سكنها في بلاد الشام وصولًا إلى الاحتكام لمحكمة الاحتلال العليا الجاثمة على الأرض الفلسطينية، ونطالبها بأن تقضي بحقنا في أرضنا وهذه مفارقة تعبر عن مدى التخاذل في حماية الأرض.
2. إن الفلاحين وسكان الأرياف لم يكونوا بذاك الوعي بعد الخروج من ظلمة أربعة قرون تركية، ليدخلوا في ظلمة استعمار يحمل مشروعًا اقتلاعيًا، وأن هؤلاء الفلاحين ظلوا يشكلون أتباعًا لمراكز مدينية ضمن ولاءات غير مدنية، إنما عبر ولاءات للأصل العائلي أو نابعة من ملكية العائلات الكبرى لكثير من المساحات في الأرياف.
3. إن هؤلاء الفلاحين شكلوا وقودًا للثورة ضد الاستعمار والصهيونية دون أن يكون لهم أي دور سياسي، أو في اتخاذ القرار العام فيما الفئات الأكثر تقدمًا فيهم شكلت قيادات ميدانية خلال ثورة 36-1939، لينتهي دورهم بانتهاء الثورة ويستعادوا مثل جيش الاحتياط في معركة خاسرة عام 1948، فيما كل تشكيل سياسي نشأ كان رد فعل على النخب المدينية ومتساوقًا مع الأعداء. أي أن نخبة الأرياف في صراعها مع نخبة المدن اختارت أن تكون من حزب الزرّاع وفرق السلام قبل 48 أو روابط القرى العميلة بعد 1967.
4. لقد تم التعامل مع الأرض كموضوع سيادة سياسية، لا كموضوع يجعل من السعي للسيادة عليها عملًا إنتاجيًا وتنظيمًا فلاحيًا قادرًا على وعي الترابط بين قيمة الأرض الإنتاجية وقيمة الأرض الوطنية، حيث لا زالت محور الصراع.
5. تعاملت النخبة اليسارية الفلسطينية مع موضوعة الأرض بدوغمائية عقائدية وصلت حد التجاهل للمسألة الزراعية، باعتبارها مسألة الإنتاج والسيادة، أو باعتبار موضوعة الأرض لا تهم من يسعى إلى بناء بروليتاريا عربية يهودية موحدة على هذه الأرض. فقد كان العمل ورأس المال منطلقًا ليسار تقليدي نسخ الاملاءات السوفييتية المطعمة بانتهازية يسارية صهيونية مغلفة من مهاجرين رفعوا راية الاشتراكية شكلًا وكانوا صهيونيون جوهرًا .
6. أما نخبة اليسار بعد 48 فقد تعاملت مع الأرض برومانسية سياسية شعاراتية دون برنامج وطني فلاحي يجمع بين حماية الأرض ونصرة الفلاح وبناء حركة فلاحية تقدمية، لعب في ذلك دورًا كون هذه النخبة إما مدينية من الطبقة الوسطى، أو لاجئة من المخيمات أصبح موضوع الأرض بالنسبة لها حلما رومانسيًا، وشكل هذا عزلة لليسار عن جمهرة الفلاحين؛ فحتى اليسار المقاتل كالجبهة الشعبية مثلًا كان يعتمد على أبناء المخيمات والمدن وقلما انتشر في الريف إلا بعد مراجعة موضوعية جعلت اليوم من الأرياف مركزًا لفعله؛ ولكن حتى الآن دون مخاطبة أهل الريف ببرنامج زراعي وطني.
7. بالنسبة للتيار المركزي فقد رفع الشعار ولم يطبقه حين قالت فتح، بأن الأرض لمن يحرثها وللسواعد التي تحررها عملًا بمقولة ماوية، لكن هذه النخبة حولت مسألة الأرض إلى موضوع مساومة وصلت في أوسلو إلى إعطائها التصنيفات المقيتة اياها (أ، ب، ج)، في الضفة ونسيت موضوع الإنتاج ونسيت أيضا أن تكون وزارة الزراعة هي وزارة الدفاع، فصارت الأرض مرتعًا للوسطاء والسماسرة العقاريين، وباتت الزراعة مهنة غريبة في البلاد.
8. لا يختلف التيار الديني الذي رفع شعار المقاومة ولا زال يستظل به، عن اليمين الوطني، فهو لا ينظر للأرض سوى غنها لله يورثها لمن يشاء، هذا كان شعار الإخوان المسلمين في مواجهة مظاهرات يوم الأرض، وحينما استولى على قطاع غزة وبعد فك الارتباط الاحتلالي معها وتفكيك المستوطنات حول المزارع الخضراء فيها؛ إما لمعسكرات، أو إنه اقتطعها لبعض الرأسماليين ليقيموا عليها مشاريع غسكانية، ولم ينتبه أبدًا إلى أنها كانت تشغل بقدر عدد سكانها عمالًا من قطاع غزة.
كل ما تقدم يوحي أن هناك إشكالية في فهم النخب السياسية الفلسطينية بعجرها وبجرها لموضوعة الأرض، وأن خيال هذه النخبة محدود في هذا المجال، وهي نخبة غير مؤهلة لفهم جذور الصراع بشكل علمي؛ الأمر الذي يجب أن نتننبه إليه، وأن تبني لجله البرامج القابلة للتطبيق. بمعنى أن تنزل من علياء الأيديولوجيا والرومانسية إلى الطين الذي ينبت زرعًا.
نحن بحاجة إلى برامج زراعية تتنافس وتختلف على أفضل السبل لحماية الأرض بالإنتاج ورفض كل مشاريع مؤسسات التمويل الدولية الهادفة لتبوير الأرض، وخلق شكل من الاقتلاع غير المباشر للشباب من طين الأرض وإغراقهم في وهم الوظائف التي لن تأتي.
نحن بحاجة إلى ثقافة عضوية حقيقية لا رصف مصطلحات وشعارات، بحاجة إلى مبادرات وطنية في هذا المجال لا إلى فلكلور كرنفالي ينتهي بانتهاء العرض.

