بغض النظر عن التوصيات أو حتى القرارات التى صدرت عن القمة العربية الثلاثين التى عقدت أمس الأول الأحد فى العاصمة التونسية فإن هذه القرارات ستبقى مدونة فقط فى بيانات تحمل اسم هذه القمة إذا لم تجئ مقرونة بإجراءات عملية تتعلق بالصراع الإستراتيجى الذى يواجه الأمة العربية والذى لم تعد فلسطين وحدها هى ميدانه الأوحد بعد الاعتراف الأمريكى بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، فى ظل توقعات، أقرب إلى اليقين تؤكد أن الرئيس الأمريكى سيعترف قريباً بقرار إسرائيلى جديد يتعلق بضم المنطقة (جـ) من الضفة الغربية، التى تضم معظم المستوطنات الإسرائيلية والتى تشمل الجزء الأكبر من الضفة إلى السيادة الإسرائيلية، رداً على رفض فلسطينى مطلق لـ «صفقة القرن» الأمريكية التى من المرجح أن يفصح عنها عقب تجديد فوز نيتانياهو برئاسة الحكومة الجديدة فى الانتخابات التى ستجرى بعد أيام، لتكتمل «ثلاثية ترامب».
هل يمكن أن تتخذ القمة العربية إجراءات عملية تحول دون فرض هذا السيناريو «الكابوس»؟ نسأل هذا السؤال مع بدء أعمال تلك القمة، وفى مقدورنا أن نؤكد أن القمة ليست مجرد دول تحضر كأرقام، بل إن معظم الدول الفاعلة التى شاركت، وحتى التى تغيبت عن تلك القمة، هى أعضاء فى «تحالفات» أو «شراكات» أو على الأقل اصطفافات، وأن هذه الاصطفافات التى يمكن أن تتحول إلى تحالفات. ويمكننا أن نرصد الكثير من هذا النوع من «الشراكات»، لكن الشهور الأخيرة، قد شهدت تفعيل عدد من هذه الشراكات، هى الأبرز، والأكثر تأثيراً، وهى بالتحديد:
> الشراكة الرباعية بين الدول الخليجية الثلاث: السعودية والإمارات والبحرين إضافة إلى مصر والتى اجتمعت على قرار التصدى لدولة قطر. هذه الشراكة التى عنوانها محاربة الإرهاب والتصدى لما تعتبره دعماً قطرياً لهذا الإرهاب، اتسع مجالها، ليصبح العداء لإيران ولسياستها الإقليمية ولـ«حزب الله» أبرز اهتماماتها، على الأقل بالنسبة للدول الخليجية الثلاث، وقاد هذا التوجه إلى دعم توجه أمريكى يقضى بتأسيس تحالف إقليمى إستراتيجى، حمل إعلامياً اسم «الناتو العربى» يعتبر أن إيران هى العدو الإستراتيجى ومصدر التهديد الأبرز، ويهدف إلى بلورة السياسات الكفيلة بدحر «المشروع الإيرانى التوسعى»، ما يعنى أن مواجهة «المشروع الصهيونى التوسعى» ليست أولوية محورية ضمن هذه الشراكة.
> الشراكة الدفاعية والإستراتيجية الجديدة التى تربط كلا من العراق و سوريا بإيران، وهذه الشراكة التى يمكن اعتبارها «شراكة وليدة» ظهرت فى لقاء «القمة العسكرية» التى عقدت فى دمشق بين رؤساء أركان جيوش إيران والعراق وسوريا يوم الاثنين (18 مارس 2019)، و0التى تزامنت مع القضاء على آخر جيوب تنظيم «داعش» الإرهابى فى منطقة شرق الفرات. هذا التزامن له معانٍ مهمة فهو يربط بين تلك القمة العسكرية وتحديات ما بعد القضاء على «داعش»، سواء ما يتعلق بمواجهة أى ظهور جديد لـ «داعش» فى سوريا أو العراق أو حتى إيران، أو ما يتعلق بالتحديات التى تتعلق بمن سيسيطر على شرق الفرات هل هى الميليشيات الكردية المدعومة أمريكياً والمرفوضة تركياً وسورياً، أم هى تركيا، أم هو الجيش السورى، إضافة إلى ما يتعلق بالجانب الإيجابى لإندحار «داعش» فى سوريا وبالتحديد فتح الحدود بين العراق وسوريا، ومن ثم تهيئة الفرصة للربط البرى بين إيران وسوريا، وهو ما ترفضه واشنطن وتل أبيب بالمطلق.
هذه الشراكة العسكرية والإستراتيجية الإيرانية- العراقية- السورية يمكن اعتبارها موجهة ضد ثلاثة أطراف هى: روسيا التى بدأت تتعاطف مع المطلب الإسرائيلى المدعوم أمريكياً بإخراج إيران من سوريا، والتى تتعاطف جزئياً مع مطالب أردوغان فى شمال سوريا كما أنها موجهة إلى تركيا لمنعها من التمدد عسكرياً فى الشمال السورى، وأخيراً إسرائيل، التى تعمل المستحيل لإخراج إيران من سوريا. العراق هو الطرف الوحيد ضمن هذه الشراكة الممثل فى قمة تونس، ومن ثم فإن ثقل هذه الشراكة على قرارات القمة ستكون محصورة فقط فى الأدوار العراقية بالقمة.
> شراكة التنسيق الإستراتيجى والاقتصادى بين الأردن ومصر والعراق وهى الشراكة التى جرى وضع أولى لبناتها فى القمة الثلاثية التى استضافتها القاهرة يوم الأحد (24/3/2019)، سبقتها زيارة العاهل الأردنى لبغداد، وتلتها زيارته لواشنطن ثم للمملكة المغربية، وتزامنت، أو كادت، مع القرار الأمريكى الذى اعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، والمعلومات التى تتحدث عن اقتراب موعد الإعلان الأمريكى عن خطة ترامب «صفقة القرن» التى يجد الأردن نفسه معها فى مهب العاصفة، أو أنه ربما يكون المعنى الأول بدفع أثمانها.
القمة الثلاثية التى وإن كانت قد ركزت على محاربة الإرهاب، وتعزيز التعاون الثلاثى وتبادل المعلومات الأمنية، وعلى التعاون الاقتصادى، فإنها تحدثت أيضاً عن «التعاون والتنسيق الإستراتيجى فيما بين الدول الثلاث ومع سائر الأشقاء لاستعادة الاستقرار فى المنطقة، والعمل على إيجاد حلول لمجموعة الأزمات التى تواجه عدداً من البلدان العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، ودعم حصول الشعب الفلسطينى على جميع حقوقه المشروعة».
هذه الشراكة الوليدة التى قد تتدعم وتتصاعد، وقد تتراجع، أثارت من الاستفسارات أكثر مما قدمت من الإجابات، وبالذات فيما يخص وجود العراق ضمن أطرافها. فهل هى محاولة لجذب العراق نحو عمقه العربى بعيداً عن إيران وشراكتها الثلاثية العسكرية فى سوريا، أم أن العراق يسعى لتضييق الفجوة بين العرب الإيرانيين؟ وهل هى تضع ضمن أهدافها التصدى لصفقة القرن؟ وكيف ستؤثر على مجرى قرارات قمة تونس. هذه الشراكات الثلاث على هذا النحو لا تتضمن نوايا صدامية مع الولايات المتحدة ومشروعها وإن كانت شديدة التعاطف مع الشعب الفلسطينى وحقوقه المشروعة، ما يعنى أن قرارات القمة يصعب أن تجئ مقترنة بإجراءات قوية لإسقاط «صفقة القرن»، أو استعادة الجولان، لكنها يمكن أن تؤسس لخطوات على الطريق إذا صلحت النيات.

