Menu

من ذاكرة القيد

حسين الجمل

مع بدء معركة الكرامة 2 كما أطلق عليها وهي بدء الإضراب المفتوح عن الطعام التي أعلنها الأسرى في سجون الاحتلال، وكانت الأوضاع في المعتقلات قد شهدت توتراً شديداً تطور إلى صدام واشتباك مباشر بين الأسرى ووحدات القمع الصهيونية، خاصة في معتقلي عوفر والنقب.

المعارك بين الأسرى و إدارة السجون الصهيونية المتعاقبة لم تتوقف منذ بدايات الاحتلال وزجه للوطنيين والفدائيين بالآلاف في مختلف السجون ولعل أبرزها إضراب سجن عسقلان في العام 1970، وامتد بشكل متقطع حتى عام 1977 وقد كان الأطول في حينه والذي استمر 45 يوماً في 1976 وقد سقط خلال هذه الإضرابات شهداء وهم عبد القادر أبو الفحم 1970، وأما إضراب "نفحة" الشهير 14/7/1980 فقد سقط كل من الشهيد راسم حلاوة وعلي الجعفري واسحق مراغمة، وتوالت بعد ذلك الإضرابات والاحتجاجات لتأخذ أشكالًا عدة، ولم يبقَ الإضراب عن الطعام هو الأسلوب النضالي الوحيد في مواجهة أدوات القمع والقتل الصهيونية، ممثلة بإدارة سجونها وأجهزتها الأمنية فقد إشتق الأسرى كفاحية جديدة لإيصال صوتهم وللتعبير عن احتياجاتهم منها على سبيل المثال الامتناع عن الزيارة والامتناع عن الفورة ومقاطعة إدارة السجون ورفض استلام الكنتينا وغيرها من الأساليب المعبرة.

إن الإضراب عن الطعام يأتي تتويجاً لكل الأساليب النضالية الأخرى وهو الأكثر أهمية وخطورة، سواء من حيث  إثارة الرأي العام المحلي والعالمي، أو من حيث ما يشكله من خطر داهم ولحظي على حياة الأسرى أنفسهم وهذا يشكل بحد ذاته تحديًا إراديًا قويًا لسلطات الاحتلال، وهو يحاكي إلى حد كبير العصيان المدني الموجه ضد الاحتلال.

إن الاحتكاك المباشر واليومي بين الأسرى والسجانين الصهاينة يجعل من المعتقلات بيئة مناسبة لمقارعة العدو بأدوات وأساليب بشكل مختلف، وعليه يلاحظ المتابعين لشؤون الأسرى بأن الصراع مع إدارة السجون وسياساتها دائم الحضور بشكل شبه يومي وبدرجات ووتائر مختلفة، وجميعها تترجم الرفض المطلق للاذعان أو التسليم بالسياسات المتبعة من قبل إدارات السجون والتي تستهدف بشكل مباشر الإرادة والكرامة الفلسطينية الملازمة لكل أسير، وهنا نستذكر كيف أن الوعي الجمعي للحركة الأسيرة حول المعتقلات إلى مراكز تدريب وتعبئة إلى مدارس وجامعات لا لتعليم القراءة والكتابة فقط في سنوات سابقة، بل جامعات تخرج الكادرات الثورية المستنيرة بالتجارب الأممية الكبرى في كوبا وفيتنام وأميركا اللاتينية وآسيا، ومعظم تجارب الشعوب المنعتقة من نير الاستعمار والامبريالية باحتلالاتها وسياساتها المتنوعة.

لقد كان للحركة الأسيرة وأنشطتها ومهماتها التعبوية والتنويرية انعكاساتها الميدانية ليس فقط في الأداء والنهوض الثوري، بل أيضًا بالمشاركة الأممية في الكثير من المعارك الفدائية، نذكر منها معركة مطار اللد الذي شارك بها أعضاء من الجيش الأحمر الياباني.

ولعل تعميم الفكر والثقافة المقاومة ونشرها داخل المعتقلات رغم عدم وجود أي إمكانيات لذلك وانعدام وسائل الاتصال بقوانين ورقابة أمنية صهيونية، كان له رجع الصدى على الميدان إلا أن المعتقلين وعلى مدار سنوات الاعتقال الممتدة منذ الغزو الصهيوني للمنطقة العربية واحتلالها فلسطين منذ فجر الصراع، استطاع المعتقلين الفلسطينيين والعرب والأجانب أن يشتقوا ما يناسبهم وما يحتاجون من أدوات اتصالية أو مواد إعلامية حتى في أكثر الأماكن ضيقًا وعزلًا "الزنزانة الانفرادية"، فمن منا لم يسمع أو يمكث في زنازين سجن غزة أو زنازين سجن عسقلان التي كانت مصممة ومخصصة للمس من قدرة المعتقلين على الصمود والثبات واستهداف وضعهم النفسي وحالتهم المعنوية، ولكن النتيجة مزيدًا من الجلد مزيدًا من الصبر، مزيدًا من التحدي، تم التعبير عنه بنقوش استخدمت فيها المسامير في أحسن الأحوال أو الأظافر، نقوش أستطيع القول أنها وسائل إعلامية مقاومة مهداة لكل سجينة وسجين، أذكر بعضها.. إذا كان الموت لا بد منه، فمن العار أن تموت جبانًا.. يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام، ليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى.. احذروا العملاء.. ولم تقتصر هذه الشعارات وأبيات الشعر المنتقاة على التعبئة والتثقيف، بل واكبت تطور الأحداث والجغرافيا في كثير من الأحيان، على سبيل المثال، مع اندلاع الانتفاضة الكبرى عام 1987، شنت سلطات الاحتلال حملة اعتقالات طالت آلاف الكادرات من مختلف التنظيمات والفصائل، أيضاً شملت الآلاف بشكل عشوائي في محاولة منها لاجهاض الانتفاضة وإيقافها في الوقت الذي انتشرت كالنار في الهشيم مما اضطرهم إلى إقامة معتقلات في صحراء النقب بعد أن امتلأت المعتقلات المركزية المقامة بالأسرى، أقيم معتقل النقب في الصحراء الفلسطينية على مسافة قريبة من الحدود مع مصر، بالقرب من قلعة عصلوج وهي قلعة تركية، ويوجد هناك قسم أو معسكر جيش تحت اسم "كيلي شيفع" أي "قسم 7"، وهناك نصبوا مئات الخيام محاطة بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة العسكرية، وكان ذلك في 31/3/1989، حين وصلنا إلى معتقل النقب بينما لا زال الجنود الإسرائيليين يقومون بزرع الأوتاد وفرد الحبال ونصب الخيام.

كنا قد مررنا على سنوات طوال من الاعتقال ولكن هذه المرة هي الأشد قسوة حيث انعدام الخدمات الآدمية، مياه وطعام وملابس، لا تصلح للاستخدام الآدمي، مما دفعنا إلى التعامل باتجاه اتخاذ خطوة احتجاجية، ولكن علينا التنسيق بين مختلف الأقسام بالتحديد قسم منها ضم عددًا من المعتقلين أحضروهم من سجن جنيد، وهم من مناطق مختلفة من الضفة الغربية كان بينهم الشهيد القائد ربحي حداد أبو الرامز. ونحن في رحاب هذه الذكرى، ذكرى استشهاده، أستذكر كيف تمكنّا من اللقاء المباشر بهدف التنسيق والاستشارة، وبالنسبة لي لم يكن أبو الرامز شخصًا عاديًا، بل كان قائدًا فذًا واكب تطور وتنظيم الحركة الأسيرة منذ البدايات ولديه الخبرة والاطلاع الواسع بمعارك الأمعاء الخاوية، كنت مهتماً أو شغوفًا جدًا أن أستمع إليه، أن أتعرف عليه وجهًا لوجه، بعد أن سمعت الكثير عنه. سألني عدة أسئلة حينما قلت له إننا ننوي الإعلان عن الإضراب عن الطعام، أذكر منها "هل أنتم مؤطرين، بمعنى تعرف حجم ومقدار قوتكم، هل أنتم على علاقة جيدة، كم عدد من لديه خبرة بالسجون"، وعلى ضوء إجاباتي التي أظهرت ندرة في البيانات والمعلومات، أشار بأن ننظم أنفسنا جيدًا، ونعزز العلاقة، من ثم نخطط لخطوة محدودة وعلى ضوء النتائج نقرر. حملت هذا الرأي وعدت به وتم إقراره من اللجنة الاعتقالية، ومع أول خطوة تمثلت بإرجاع وجبات الطعام طلب منا تجهيز أمتعتنا لأنه سيتم نقلنا، أخذ الشبان حينها يخطون شعارات على الخيام يحرضون على عدم العمل في مراكز الجيش والاستمرار بالخطوات الاحتجاجية.

الخلاصة أن معارك الأمعاء الخاوية وغيرها من معارك حرب الإرادات والكرامة ستبقى تتجدد مع كل محاولة صهيونية للمس بكرامة الأسرى، حتى يتم تحريرهم.

التحية كل التحية لروح الشهيد أبو الرامز، وكل شهداء الحركة الأسيرة. التحية لذوي الأمعاء الخاوية، الذين يحملون رايات العز والفخار والحرية.