Menu

تضامنا مع أسيراتنا وأسرانا لدى الاحتلال

محمد صالح التومي - المعروفي

أسبوع التضامن مع الأسيرات والأسرى في سجون الاحتلال تم تعيينه  في سنة 2019 في الأيام الفاصلة بين 17 و24 أفريل /نيسان. فهي أيام سانحة لاستذكار المناضلات والمناضلين الذين يتعرضون للظلم نتيجة تمسكهم بحبهم للأرض وتشبثهم بتاريخها. فيهم الأطفال الذين لا تسمح الشرائع الدولية بإيقافهم وذنبهم أنهم أمسكوا حجرًا... فهم محرومون من رعاية أمهاتهم وآبائهم وحتى من حق التعليم والدراسة،

وقد أصبح العدو يفكر في إبقاء بعضهم حتى بلوغهم سن المؤاخذة الجزائية؛ لكي تتم محاكمتهم بمقتضى قوانينه الجائرة، وهذا إجرام غير معتاد، ولكنهم يفكرون فيه بجدية ولعلهم يمارسونه أو سيمارسونه. وفيهم "الموقوفون إداريًا" لمدد قد تطول وقد تتجدد اعتباطيًا أيضًا، بدون تهمة محددة، فقط لأن العدو اشتبه فيهم، وهذا اختراع أيضًا في باب العقوبات لم يهتد إليه إلا هذا الكيان الغاصب. وفيهم المناضلون والمناضلات الذين واللواتي يسلط العدو عليهم وعليهن أقصى العقوبات والتي قد تصل إلى تسع مؤبدات، كأن مؤبدًا واحدًا لا يكفي، ما يعكس خوف الصهاينة من الكنعاني- الفلسطيني وحقدهم الدائم والمتوارث عليه، فذلك ما يدفعهم إلى أن يُعرّضوا الأسيرات والأسرى إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل والحرمان بأساليب ومفردات تعجز قواميس القمع عن استيعابها، والتي منها السجن الانفرادي المطول الذي يُحرم فيه السجين من التخاطب والتواصل إلا مع جدران الزنزانات ورطوبتها الخانقة، وهذا من أشدّ العقوبات التي تُسلط على أبناء البشر في محاولة للحط من معنوياتهم ولتحطيمهم ولتهشيشهم نفسانيًا. وفيهم المسرحون الذين تم تسريحهم بعد فترة سجنية سابقة، ولكنهم يعيشون قيد الاعتقال من جديد، وكثيرًا ما تم ذلك في شأنهم، أو حتى قيد الاغتيال، وهذا ما وقع لبعضهم. وفيهم طبعا قادة النضال الأشاوس الذين إذ نذكر منهم أحمد سعدات ومروان البرغوثي فإن ذلك لا يجب أن يخفي أسماء غيرهم ممن يستحق كل واحد منهم وتستحق كل واحدة منهن سجلًا لوحده أو لوحدها لتعداد نضالاته أو نضالاتها، وهذا ما يجب القيام به في مجالات أوسع من هذا المجال.

وأمام النفاق الحقوقي الدولي في وضعه الحالي الذي قد يعبأ بحقوق إوزة غمرها النفط، كما فعل ذلك الإعلام الصهيوني والإمبريالي إبان الهجوم الامبريالي على العراق، ولكن لا يهمه إطلاقًا ما يتعرض له الإنسان الفلسطيني من مظالم ستبقى وصمة عار مقيدّة في سجل التاريخ البشري الحقيقي، كما أمام عجز المحاكم الدولية حتى عن إحالة مرتكبي الجرائم الصهيونية فضلًا عن محاكمتهم فعليًا أمامها رغم أن بعضها جرائم ضد الإنسانية.

رغم كل ما سبق، فإن الأسير الفلسطيني يقاوم... يقاوم بأمعائه الخاوية ويشن إضراب الجوع تلو إضراب الجوع فرضًا لحقوقه الإنسانية، وقد خاض الأسرى في المدة الأخيرة فقط إضرابًا بطوليًا انتهى إلى إزالة الكاميرات التي أراد الصهاينة التلصص بها على أحاديثهم وحركاتهم حتى داخل الزنزانات. ويقاوم بالكد والجد في الدراسة، وهناك ضمن الأسرى من حصل وهو بالسجون على أعلى الشهادات العلمية. ويقاوم بتهريب النطف من السجون إلى الزوجات خارجها فيعطون الحياة لأطفال لا يريد لهم الصهاينة أن يكونوا، وينشئون هكذا عواطف وعلاقات عائلية جديدة لا يرغب في إنشائها من يسجنونهم. ويقاوم بالكتابات الشعرية والأدبية والفكرية التي يقع نشرها خارج الأسوار فتثري المكتبة الإنسانية بإبداعات تنير عتمة الظلم بأنوار الأمل في انبثاق فجر إنساني جديد خال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ومن احتلال أراضي الشعوب ومن براثن العنصرية.

وإذ نذكر هنا كتابات من أمثال:

- "سرّ الزيت" للأسير وليد دڨّة، وهو كتاب مكتوب بلغة يمكن أن يقرأها حتى الأطفال دون أن يكون خاليًا من العمق في معانيه ومراميه.

- و"الكبسولة" للروائي والشاعر الأسير كميل ابو حنيش، وهي ليست روايته الوحيدة، فقد كتب قبلها روايات أخرى منها "وجع بلا قرار" و" بشائر" و"خبر عاجل".

- و"صدى القيد" لأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو كتاب نادر في رُقيه النضالي وفي تخلي كاتبه عن الأنا، معانقة منه للذات الجمعية لرفاقه في الزنزانات وبسطًا لأشكال معاناتهم و تخليدًا لمقاوماتهم، وتكثيفًا للتجربة الاعتقالية التي يمر بها أسرى فلسطين.

فإنه بالإمكان ذكر ما هو أكثر من هذا من رسائل ونصوص وقصائد ترسم تجربة إنسانية نادرة في الكتابات الاعتقالية في مواجهة أساليب قمعية، لم "يهتد" إليها أحيانًا غير الصهاينة، وهم ينكلون بأصحاب الحق؛ بل إنه يصل بهم الأمر في علاقتهم بأصحاب الحق والأرض حتى إلى إنكار وجودهم أصلًا، لعلهم يهنأون من خلال هذا الإنكار بافتكاكهم أرضًا تاريخية، لشعب آخر، وباعتدائهم على حقوق هذا الشعب. فإذا بهؤلاء الذين ينكرون وجودهم أو يغيبونهم يفاجئونهم ببطولاتهم المتنوعة فرضًا للذات الوطنية، وهي البطولات العديدة التي تعتبر أشكال المقاومة التي ذكرنا بعضها والتي تتم داخل سراديب وزنزانات الأسر حلقات فقط في سلسلتها، فالفلسطيني الوطني يثبت في الحقيقة وفي كل يوم أنه:

حيث يكون تكون هناك ساحة للنضال، وحيث يكون تكون المواجهة ويكون الاشتباك مع العدو الصهيوني، وأنه وراء العدو في كل مكان، كما يثبت أنه بإمكانه اجتراح المعجزات ولو من داخل موازين القوى المختلة في غير صالحه، وذلك تغليبًا للدم على السيف وانتصارًا لمعنى الإنسان المقاوم على حساب وحشية الأعداء، وصولًا إلى تحقيق النصر المأمول واسترجاع كل الوطن المسلوب. وهذا ما يستدعي اسنادًا: قوميًا، وأمميًا، يعمل الأعداء على جعله معدومًا وذلك:

أولًا: بتقسيم صف النضال الوطني الفلسطيني تشتيتًا وإضعافًا بواسطة ذلك للاتصالات التي من الواجب أن تتم مع المساندين للقضية، فيما لو تجسمت على الأرض وحدة الصف الوطني الفلسطيني.

ثانيًا: بإلهاء المجتمعات العربية بإشكالياتها الخاصة عبر الاختراق لتحركاتها ولانتفاضاتها، مثلما يقع مع ما يسمى بالربيع العربي في محاولة لمنع النضال الشعبي ضد التطبيع.

ثالثًا: بتضليل التعاطف الأممي بواسطة الأكاذيب الإعلامية ومن خلال نشر الوعي الزائف، في محاولة لمنع حملات مقاطعة البضائع والمظاهرات والتظاهرات الشعبية بأنحاء العالم المتعاطفة مع قضية فلسطين: القضية التي أصبحت هي التجسيم المطلق تقريبًا لمعنى العدل في هذه الأزمنة التي نعيش، ولكن الصهاينة لا ينجحون إلا نسبيًا في هذه المساعي كلها؛ لأن كل شيء يصيح في وجههم:

ألا إن الليل مهما طال زائل،

ونور الحق حتمًا ذات يوم سيسطع،

والنصر عبر كل المقاومات لا بد ... آتٍ.