من بين المرشحين عن الحزب الديمقراطي للمنافسة على منصب الرئاسة في الانتخابات التي ستُجرى بعد سنتين في الولايات المتحدة، أعلن كل من بيرني ساندرز، وإليزابيث وارين، وكامالا هاريس، وبيت بوتيجيج، وجوليان كاسترو، أنهم لن يحضروا المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية» (إيباك)، فيما دعت المنظمة الشعبية القوية للديمقراطيين المحسوبة على يسار الوسط «موف أون.أورغ» (MoveOn.org)، إلى مقاطعة هذا المؤتمر الذي يحوله نظام الأبارتيد «الإسرائيلي» إلى محفل سنوي لشد وثاق النظام السياسي الأمريكي ومؤسساته ونخبه الحاكمة صوب أكثر دولة استعمارية إجراماً وفاشيةً ابتُليت بها أمتنا العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.
هي لحظة فارقة في طريقة تعامل النخبة الحاكمة في أمريكا مع الدولة الصهيونية.
تأسست MoveOn.org في عام 1998 من قبل رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا جوان بلايدز وزوجته ويس بويد، صاحبي شركة «بيركلي سيستمز». وبدأت العملية بحملة بريد إلكتروني استهدفت منع عزل الرئيس السابق بيل كلينتون، والاكتفاء بتوبيخ الكونغرس له. وبعد ذيوع شهرة الزوجين على الشبكة العنكبوتية، تشجعا وتوسعا في نشاطهما السياسي مع ميل نحو اليسار، فتحركت المنظمة في قضية الصراع العربي- «الإسرائيلي»، وقادت تحركا لخروج القوات الأمريكية من العراق. كما شنت حملة احتجاجات واسعة ضد الحرب «الإسرائيلية» على قطاع غزة في عام 2009.
في عام 2016 لم يذهب السناتور بيرني ساندرز، وهو أحد المرشحين الأقوياء في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، إلى مؤتمر «إيباك»، وصرح متحدث باسم بيرني ساندرز ل «ان بي سي نيوز» بأن ساندرز قلق من تعاظم التأثير والنفوذ الذي تمارسه «إيباك» على القادة السياسيين الأمريكيين. لكن «إيباك» أعربت بالمقابل عن عدم انزعاجها من حجم المقاطعة لمؤتمرها من جانب مرشحي الرئاسة الأمريكيين، فما يعنيها، كما تقول، هم أعضاء الكونغرس. وهذا الكلام بحد ذاته يعكس المدى الذي وصلت إليه حالة الاستلاب السياسي التي يعيشها «نواب الشعب» الأمريكيين. «إيباك»، هي صوت وسيف حزب الليكود وحلفائه من أحزاب اليمين الفاشي في «إسرائيل»، وهي تبنت أجندة الليكود غير المعلنة وعنوانها «إسرائيل الكبرى».
ولكن، يبدو أن القواعد الشعبية الشبابية المتبقية في الحزب الديمقراطي، قد سئمت من نفاق النخبة الأمريكية الحاكمة ل«اسرائيل»، والذي كانت آخر تجلياته المحاولة الفاشلة التي قام بها أعضاء مجلس النواب الجمهوريين وبعض الديمقراطيين، لاستصدار قرار إدانة للكتابات والأصوات التي بدأت ترتفع وتتهم بعض أعضاء الكونغرس من الحزبين بتلقي أموال دعم لحملاتهم الانتخابية من «إيباك». كما دشنت منظمة «موف أون.أورغ» حملة بين أعضائها والقاعدة العريضة من أنصارها، حول هوية وشروط التصويت للمرشح الرئاسي الأمريكي القادم. وقد أظهرت الحملة تأييد 74% إعطاء الصوت الانتخابي للمرشح الديمقراطي الذي يقاطع «إيباك» وتجمعها السنوي التحشيدي والتعبوي، بما في ذلك مؤتمر «إيباك» الذي عقد في واشنطن خلال الفترة من 24 إلى 26 مارس الماضي. وقد أرفقت الحملة بمعلومات وبيانات مطروحة كحقائق أمام المرشحين والناخبين، ومنها أن «إيباك» أنفقت عشرات الملايين من أجل انفراد «إسرائيل» بامتلاك السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، وإن مؤتمر «إيباك» هذا العام عُقد تحت عنوان بنيامين نتنياهو المتهم في قضايا رشوة وفساد واحتيال، وأنه سيقوم بتشكيل حكومة تشبه في مكوناتها جماعة «كو كلوكس كلان» (Ku Klux Klan) الأمريكية؛ وإن «إيباك» قامت بتجميع الخطب المعادية للمسلمين والعرب، في ذات الوقت الذي تقوم فيه بتخصيص بعض برامجها للحض على كراهية الإسلام والمسلمين؛ كما تحرص الحملة على فضح «إيباك» فيما يتصل برفضها إدانة المواقف والتصريحات المعادية للسامية، فقط لأنها صادرة من أعضاء الحزب الجمهوري مثل صديق ومستشار ترامب السابق ستيف بانون.
وغنيٌ عن القول، أنه بفضل أموال «إيباك»، نجح حزب الليكود وشركاؤه خلال عقدين من وجودهم في الحكم، في إنفاذ أجندتهم بشأن قيام «إسرائيل الكبرى» (غير المعلنة)، وذلك بضم الجولان السوري المحتل والضفة الغربية بالكامل (قريبا )، وإبقاء قطاع غزة تحت الحصار الدائم والمدمر. وقد تعاملت المؤسسة السياسية الأمريكية، التي تتلقى عشرات الملايين من الدولارات كتبرعات من مختلف جماعات الضغط «الإسرائيلية»، مع هذا التوجه الفاشي، بالتظاهر بوجود مفاوضات سياسية مستمرة نحو إقامة دولة فلسطينية، وهي مفاوضات لم تكن موجودة أصلا منذ ما يقرب من عقدين. بل إن المفاوضات كانت فخا نُصب باحكام لتصفية القضية الفلسطينية، كأرض وكشعب.
السؤال المطروح الآن في أروقة الحزب الديمقراطي الأمريكي، في ضوء صعود الشباب لقياداته: هل قرر الحزب أخيراً الوقوف في وجه اللوبي «الإسرائيلي» في أمريكا؟
- See more at:

