بهزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية خسرت مستعمراتها في القارة الإفريقية وكانت ليبيا واحدة من المستعمرات التي حصلت على استقلالها باسم المملكة الليبية المتحدة، وكان لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وجود عسكري في غرب البلاد (قاعدة هويلس الملاحة الأمريكية)، وفي الشرق قاعدة العدم البريطانية في طبرق.
لقد بقيت ليبيا بعد الاستقلال دولة اتحادية بين ثلاث ولايات طرابلس، وبرقة، وفزان، ولكل واحدة حكومتها وقوانينها وحدودها الإدارية، أما سياستها الخارجية خاصة على المستوى العربي فقد كانت منذ البداية بعيدة عن فكرة النضال القومي حتى جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969، لتعلن قيام الجمهورية العربية الليبية، وتُرحِل ما بقي من الجالية الإيطالية وتصادر ممتلكاتهم. بسقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011 ، فيما سُمى بثورات الربيع العربي انسدل الستار على نظام سياسي استمر أكتر من 4 عقود، عرف خلاله الشعب الليبي والشعوب العربية، بل ودول العالم أجمع مواقف حاكم له طموحاته السياسية الجامحة والتي اصطدمت جميعها بالصراعات الإقليمية والدولية، ولم يتحقق من مشروعه السياسي الذي غلفه بمصطلحات القاموس القومي والاشتراكي الثوري؛ إلا بقدر ما تحتفظ به الآن الذاكرة الجماعية للتاريخ السياسي المعاصر من تقلبات النظام ونهاية رئيسه المؤلمة.
جاء العقيد القذافي إلي السلطة إثر انقلاب عسكري هللت له الجماهير الليبية والعربية، حيث بدا وكأنه امتداد للناصرية في منطقة ظلت تعيش في مرحلة خواء قومي، مستعصية على هضم الفكر القومي العروبي القادم من المشرق العربي؛ فالفكرة الدينية الإسلامية ظلت هي السائدة في الوعي المغاربي، وبذلك كانت النزعة الإسلامية في بلدان المغرب العربي هي المحرك الأساسي لثورات الاستقلال الوطني من الاستعمار الغربي (المسيحي)، الذي ارتبط بقضية الاستلاب الحضاري، خاصة منه الثقافي الذي يعمل على تشويه الهوية الوطنية والقومية، والدليل على هذه الحقيقة هو فوز حركة النهضة الإسلامية في تونس على غيرها من الأحزاب السياسية خاصة الأحزاب القومية بشقيها البعثي والناصري، بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في أول انطلاق تلك الثورات الشعبية.
حدد العقيد القذافي منذ بداية وصوله إلي سدة الحكم موقفه السياسي من جملة صراعات المنطقة؛ فأعلن هويته القومية الوحدوية وكان مفتونًا بعبد الناصر، تراوده أحلام في أن يرث زعامته للأمة العربية، أما عبد الناصر فقد رأي في ثورة القذافي امتدادًا استراتجيًا لثورة 23 يوليو، خاصة أنها جاءت بعد هزيمة يونيو 1967 بعامين. وكان حماس القذافي الوحدوي صارخًا من خلال مشاريع الوحدة التي رفعها مع مصر وسوريا والسودان وتونس، وبذلك استدعى الغرب بسياساته هذه، خاصة الولايات المتحدة التي رأت فيه راعيًا للإرهاب الدولي.
ومع فشل سياسة القذافي القومية انسحب من الساحة العربية وأدار ظهره لصراعاتها، وحاول أن يسترضي الغرب ليكون مقبولًا على المسرح الدولي فتخلى عن برنامجه التسليحي النووي والكيمائي وسوى مسألة لوكربي، ورأى في القارة الإفريقية التي تعيش حالة تجزئة وتخلف وساحة صراع ونهش للمصالح الغربية، رأى فيها منطقة جذب لتطبيق سياساته وأفكاره الطموحة، وقد صاغ الجغرافية السياسية لنظامه ليصبح اهتمامه بالقارة الإفريقية بشكل يفوق اهتمامه بالعالم العربي .
لقد شكل التيار الأصولي الإسلامي أكثر قوى المعارضة عداء لنظام القذافي؛ لأن مشاعر الليبيين الدينية بقيت حاضرة في قلوبهم على الرغم من تعميم المفاهيم والشعارات القومية، مع عدم خلو الساحة من قوى المعارضة الأخرى ذات الانتماء الطبقي البرجوازي التي كانت أكثر المتضررين من تطبيق نظرية القذافي الثالثة. وقد واجه النظام المعارضة الأصولية بقسوةٍ مما أدى إلى فرار الكثير من عناصرها وقيادتها إلي الخارج مما اكسب هذه العناصر تجربة غنية خاصة في موضوع المقاومة المسلحة.
لم تعرف ليبيا الاستقرار السياسي والأمني بعد سقوط نظام القذافي بمساعدة حلف الناتو الاستعماري؛ فالمشاركة الإسلامية متمثلة بحزب العدالة والتنمية ذراع حركة الإخوان المسلمين في ليبيا في النظام السياسي الجديد كانت واضحة في حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، مما جعل البلاد مفتوحة أمام تدفق التنظيمات الإرهابية، خاصة داعش والنصرة بعد اندحارهما من سورية والعراق، وقد لعبت تركيا دورًا كبيرًا في دعم المليشيات الإسلامية والإرهابية بالمال والسلاح، وبعد قيام ما أطلق عليه بالجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر بتحرير بنغازي من سيطرة التنظيمات الإرهابية عام 2014، وإحكام السيطرة عليها وعلى درنة وعلى مناطق واسعة من المناطق النفطية عام 2017، تم في بداية شهر أبريل الحالي إطلاق عملية سميت بطوفان الكرامة لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإسلامية الداعمة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا.
الصراع المسلح الدائر الآن في غرب البلاد سيزيد المشهد السياسي تعقيدًا لأنه سيعمل على استقطاب إقليمي ودولي للصراع الداخلي؛ فالذين يتخذون موقفًا معاديًا من الإسلام السياسي سيكون دعمهم لحفتر، وهذا ما ينطبق الآن على مصر والسعودية والإمارات وروسيا، بينما تركيا و قطر ودول الغرب عمومًا، سيكون دعمهم لحكومة الوفاق الوطني أولا بسبب إنها معترف بها دوليًا، وثانيًا لكون الإسلام السياسي لا يشكل خطرًا على المصالح الغربية التي تتركز حول النفط في البلاد، كالقوى الوطنية والقومية وبقايا نظام القذافي من العسكريين والقبليين، وهكذا وقع النظام السياسي الحالي في حالة من التجاذب في العمل السياسي ومن ثم الصراع المسلح بين الأطراف الليبية والتي كان بعضها جزءًا من النظام السابق.

