تمر الساحة الفلسطينية اليوم بأوضاع بالغة التعقيد يقف فيها المتابع حائرا أمام تفاصيل فعلها اليومي الذي يعبر عن حالة من اللامعقول بين ما يجري من إجراءات عملية تستهدف النيل من القضية الوطنية ومحاولات تصفيتها عبر ما يسمى بصفقة القرن التي تتدحرج مفاعيلها في إطار حلول وتسويات ذات طابع إقليمي يعزز الهيمنة الأمريكية وأدواتها على المنطقة العربية واستيعاب الوجود الصهيوني (إسرائيل) في منظومة الرجعيات العربية المتهالكة والتي تحولت إلى أدوات طيعة لدى راعيها وحامي وجودها بصورة تجاوزت كل المحاذير الأخلاقية والقيمية التي طالما شكلت عائقا أمام العديد من مشاريع التصفية السابقة والتي طالما استدعت توفير مبررات تنفيذها . فكانت دائما القضية الوطنية الفلسطينية وسيلة مستخدمة من قبل النظم العربية لتبرير أدوارها التخريبية في المنطقة العربية كما حصل في الحرب على العراق وغيرها.
لكن اللامعقول في ما يجري اليوم من دور واضح للبترودولار في التدمير الممنهج لأكثر من قطر عربي والسعي لإخضاع الفلسطينيين وإجبارهم على القبول بمشاريع تصفوية تستهدف إنهاء الملف الفلسطيني وإنهاء حالة العداء للكيان الصهيوني واستيعابه في منظومة العمل العربي كحالة طبيعية . في إطار ما يسمى مواجهة الخطر الفارسي . وليس غريبا ان تصل الرجعيات العربية الى هذا المستوى من الانحدار على قاعدة (من يهن يسهل الهوان عليه ). أما الغريب فهو ما يحدث على الساحة الفلسطينية وطبيعة الدور المفروض القيام به لاستنهاض الأمة واستعادة الوعي العربي لما تحمله القضية الوطنية الفلسطيني من مكانة لدى أوساط واسعة من جماهير امتنا العربية يتم التعبير عنها كلما توفرت الفرص المتاحة لذلك بما يعكس حالة من التماسك الوجداني والأخلاقي لدى العرب عموما .
ولعل ابرز مظاهر اللامعقول في الساحة الفلسطينية استمرار الانقسام الفلسطيني والابتعاد عن توفير أجواء تؤشر إلى قرب انتهائه على المدى المنظور . رغم جسامة المخاطر التي تواجه القضية الوطنية والتي تتطال مظاهرها كافة الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كل من الضفة وغزه ومخيمات اللجوء أيضا . فطرفي الانقسام يتعرضون إلى إجراءات ضاغطة وعقابية تستهدف إبقائهم تحت سقف البؤس وسيادة أجواء الإحباط واليأس تمهيدا لتبرير الهزيمة والسلوك القائم على تعزيز استمرار الانقسام وديمومته بما يخدم معسكر الأعداء ويعيق أي إمكانية لخلق حالة من الانفراج في الدور الفلسطيني .
أليس غريبا أن نعمل على تسريب معلومات تفيد بإمكانيات التفاوض مع المحتل المتجاوز لكل قواعد المنهج التفاوضي القائم ونرفض ونعطل الحوار الداخلي بين أطياف الشعب الواحد ونوفر كل إمكانيات استمراره وصولا إلى نتائج ملموسة تمكن من تجاوز الحالة الراهنة ...
أليس غريبا أن تتعرض السلطة الفلسطينية لإجراءات عقابية من قبل المحتل تؤثر على البنى الاجتماعية القائمة فلسطينيا في حين تستمر هذه السلطة أو قيادتها بممارسة إجراءاتها العقابية ضد قطاع غزه أو ضد فصائل في منظمة التحرير الفلسطينية بهدف إخضاعها لمنطق هذه القيادة التي لا تتجاوز ردود أفعاله حتى الآن أكثر من التشخيص التحليل وتقديم البيانات مع إبقاء الباب مواربا على أمل العودة للمنهج التفاوضي العقيم .
أليس غريبا أن نناهض التطبيع وخاصة العربي منه ونحن ندعوا العرب الى زيارة المقدسات في القدس وهي تحت حراب الاحتلال وتستمر ما تسمى بلجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي في عملها وتوفير كل الإمكانيات المادية لها في حين يعاقب أبناء الشعب بسبب انتماءاتهم ومواقفهم.
أليس غريبا أن تستمر العلاقات الاقتصادية مع المحتل وبضائع المستوطنات تغزوا أسواقنا ووكلاء الشركات الإسرائيلية يتبوءون بعض المراكز الاجتماعية في بلادنا ويجاهرون بانتمائهم الوطني ..
أليس غريبا أن يستمر التنسيق الأمني والاعتراف بدولة الكيان الصهيوني (إسرائيل ) رغم كل قرارات المجالس المركزية والوطنية الفلسطينية وكل الانتهاكات التي يمارسها المحتل حتى تحول مفهوم السيادة إلى مسميات خالية من أي محتوى سوى المسميات .
وعلى الرغم من ان الشعب الفلسطيني اثبت عبر سنوات نضاله الطويلة وعطائه الذي لم ينضب بأنه قادر على تجاوز المحن والصعاب فهو من اسقط جوهر الفكر الصهيوني القائم على نكران وجوده من التاريخ والجغرافيا واجبر العالم على الاعتراف بحقه في هويته الوطنية وإقامة دولته المستقلة عاصمتها القدس .. وهو الشعب الذي طالما كان عنونا لحركة التحرر العربي وعنوانا لكل أحرار العالم ومقياسا لانحياز الشعوب والقوى والحركات السياسية والاجتماعية لقيم الحرية والعدالة في الكون فالحرية والعدالة لا تتجزأ ولا تعرف الرمادية ...
أمام هذا الواقع ليس المطلوب سوى المبادرة بالوقوف أمام الذات وامتلاك زمام المبادرة لاتخاذ خطوات جريئة قادرة على خلق حالة من الانعتاق والخروج من سيادة أجواء الهزيمة واليأس . فما زال لدى الشعب الفلسطيني الكثير من أدوات الفعل القادرة على قلب الطاولة وتحويل معطيات الواقع البائس إلى أمل قادر على الحياة والاستمرار فما زالت قضينا الوطنية تمثل جوهر الصراع في المنطقة العربية وعلى حلها تتوقف كل مفاعيل إدارة هذا الصراع . ومن اجل ذلك فان أطراف الانقسام مدعوة قبل كل شيء إلى وقف كل أجواء المناكفة والتوتير والذهاب لحوار وطني جاد ومسؤول قادر على مراجعة منهج اوسلوا وصياغة إستراتيجية فلسطينية موحدة توحد الفعل الفلسطيني في إطار استيعاب منظمة التحرير لكل مكونات الشعب الفلسطينية والعمل على استعادة دورها ومكانتها من خلال تجاوز ومعالجة كل الأمراض والآفات التي لحقت بها ..
ان صيغة الدعوة لاجتماع الأمناء العامون للفصائل أو ما يسمى الإطار القيادي المؤقت أصبحت مهمة ملحة عاجلة وضرورية والتي من شأنها أن تؤسس لعمل فلسطيني مشترك قادر على تجاوز الصعاب والعقبات وتحمل المسؤوليات في اللحظة السياسية الراهنة وان تعطيل هذه الدعوة من شأنها أن تساهم في تعميق الأزمات وتضاعف أعباء الشعب الفلسطيني وتزيد من تكلفة المواجهة على الأجيال القادمة.
وفي نفس الوقت فان القوى التي تقف خارج إطار الانقسام وخاصة التجمع الديمقراطي الفلسطيني والذي شكل تجمعا واسعا لقوى وحراكات وشخصيات مستقلة حددت أهدافها بمواجهة صفة القرن وإسقاط الانقسام وتصويب أوضاع منظمة التحرير الفلسطينية وشكل الإعلان عنه بادرة أمل لكل الوطنيين الديمقراطيين بأن هناك ما يمكن فعله في مواجهة الثنائية المهيمنة على القرار الفلسطيني واحتكار مقدراته. وهذا يستدعى الوضوح في البرنامج والعمل على تجاوز حالة المراوحة في المكان عبر اتخاذ خطوات عملية جريئة في مواجهة التحديات القائمة من خلال تجاوز كل المعيقات المفتعلة التي من شأنها أن تعرقل مسار التجمع بكشف الغطاء عن كل مدعي المعارضة أمام جماهير شعبنا وتجذير أدوات فعل التجمع بما ينسجم مع طموحة بتشكيل قوة قادرة على التغيير من ناحية واعتماد آليات عمل من شانها تلامس قضايا الجماهير وتواجه كل مظاهر الفساد والهيمنة والتفرد في مقدرات الشعب الفلسطيني واحتكارها بما يخدم صيرورة استمرار الحالة القائمة التي أدت الى تغييب المشاركة الشعبية الواسعة في كل تجليات المواجهة وإشاعة روحية الارتزاق والمحسوبية والفئوية في معالجة وفهم معطيات الواقع واستحقاقات التغيير المنشود .

