Menu

تغذية الطموحات الخاطئة في الشرق الأوسط

عزت إبراهيم

فى مقابلة مع صحيفة «زمان» التركية (١٦ يوليو الحالى)، قال أونال شيفيكوز سفير أنقرة لدى لندن حتى عام ٢٠١٣ إن الإعلام الغربى هو المسئول الأول عن تغذية مشاعر "العثمانية الجديدة" لدى القادة الأتراك من خلال تسليط الضوء على قدرات متوهمة أكبر من القدرات الفعلية للسياسة التركية فى منطقة الشرق الأوسط وهو ما جعل قادة حزب العدالة والتنمية (بعد نجاحات دبلوماسية فى الفترة ما بين عامى ٢٠٠٢ و٢٠٠٩) ينشدون أدوارا إقليمية تعيد أمجاد الإمبراطورية القديمة على حساب دول المنطقة. ويتوقع الدبلوماسى المخضرم إعادة رسم السياسة الخارجية لبلاده فى حال وصول حكومة مختلفة إلى السلطة. فرض فكرة العثمانية الجديدة على تركيا مثلما قال شيفيكوز واحدة من أخطاء التهويل الغربى التى صدقها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان حيث اختمرت فى عقله فكرة تحقيق الحلم الإمبراطورى بعد ثورات الربيع العربى ووصول قوى الإسلام السياسى إلى الحكم فى بعض دول المنطقة فراح يتقمص شخصية القائد والزعيم.

كتبت الأسبوع الماضى عن نشر صحيفة "واشنطن بوست" مقالا لأحد قادة جبهة أحرار الشام المرتبطة عقائديا بجماعات الإرهاب مثل القاعدة والإخوان وهو المقال الذى أثار ردود فعل سلبية فى الأوساط الأمريكية والغربية بسبب مخالفة الصحيفة الشهيرة لقواعد مهنية تنهى عن الترويج لجماعات العنف والمتطرفين، حيث تقوم قوات التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة بتوجيه ضربات للإرهابيين ومن بينهم ميليشيات أحرار الشام، بينما وجه القيادى فى الحركة على صفحات واشنطن بوست انتقادات للإدارة الأمريكية واجهزة الاستخبارات على تصنيفها للقوى المعتدلة والمتطرفة وروج لجماعته بأنها تمثل «الاعتدال» رغم مشاركتها فى قتل مئات الآلاف من الشعب السورى بدعوى التحرر من النظام الحاكم فى دمشق. تلك المغالطات والتغذية المستمرة لطموحات جماعات العنف تثير الريبة والشكوك بشأن توجهات وسائل الإعلام الغربية وهناك أمثلة عديدة فى السياق السابق يمكن الاستدلال عليها فى طرح الأمر أمام الرأى العام الغربى من خلال القنوات الدبلوماسية والمناقشات المفتوحة عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

حديث الدبلوماسى التركى ومقال قيادى أحرار الشام أعادنى بالذاكرة إلى مشهدين كنت حاضرا فيهما، الأول فى معهد المشروع الأمريكى The American Enterprise فى عام ٢٠٠٤ عندما جاء أردوغان للمرة الأولى إلى واشنطن وقدمه ريتشارد بيرل أحد رموز المحافظين الجدد بعبارات فخيمة تليق بأول رئيس حكومة من خلفية إسلامية، منذ عام ١٩٢٣، وتغذى النزعة العثمانية الوليدة وما إن إعتلى الرجل منصة الكلمة حتى راح يلعب على وتر تركيا الجديدة التى ستقود الشرق الأوسط. فى المرة الثانية، كان لقاء تعارف مغلق على وسائل الإعلام، بإستثناءات محدودة للغاية، فى إبريل ٢٠١٢ أبطاله أول وفد "معلن" لجماعة الإخوان للعاصمة الأمريكية وكبار الباحثين فى مجلس العلاقات الخارجية CFR ويومها تعاملت الأسماء اللامعة فى المؤسسة الأشهر فى العالم مع وفد الجماعة باعتبارهم من سيرسمون خريطة الشرق الأوسط لعقود قادمة، وهى الزيارة التى فتحت أبواب الحوار المباشر بين الإخوان والإدارة الأمريكية فى وقت لاحق من العام نفسه. خرج وفد الجماعة من مجلس العلاقات الخارجية وهو يشعر بتحقيق إنتصار كبير.

فى الواقعتين، الضيوف من خلفية سياسية واحدة تقريبا، أردوغان القادم من تيار يدين بالولاء الأيديولوجى لأفكار الإخوان والثانى وفد الجماعة وحزبها الوليد فى مصر قبل انتخابات البرلمان التى فتحت الطريق للوصول إلى الرئاسة وما حدث بعدها من محاولة الإنفراد بالحكم وإقامة ديكتاتورية على مقاس الجماعة. الحفاوة المبالغ فيها بالتيار الذى يمثله أردوغان والإخوان واحدة من ألغاز السياسة الأمريكية ومراكز التفكير الكبرى والصحف الواسعة الإنتشار والمغازلة تؤدى فى نهاية الأمر إلى مزيد من التوحش والرغبة فى الاستحواذ ومصادرة السياسة من تلك التيارات وهى الحالة التى وصل إليها أردوغان فى العامين الأخيرين، وعندما قرأ نقدا فى واحدة من افتتاحيات الصحف الأمريكية استشاط غضبا وهددها علانية، وتفسير رد فعله أن الرجل لم يعتد تلك المعاملة القاسية من أصدقائه فى الدوائر الأمريكية والتى تجيد تقديم تيارات الإسلام السياسى للرأى العام الدولى ولا يريد خسارة تلك المنابر بأى حال من الأحوال. القراءة المبتسرة والخاطئة لكثير من أحداث الشرق الأوسط تأتى من التدليل لتيارات بعينها فى دوائر السياسة الأمريكية والتعويل عليها باعتبارها تحمل المستقبل السياسى للمنطقة ثم بعد انهيار التيار الرئيسى فى مصر ظهر للجميع أن تلك الدوائر لا تملك وحدها مفاتيح المستقبل فى الشرق الأوسط .. ومن وقتها كان الإنحياز الإعلامى جارفا.. وبقدر الخسارة!

المصدر: الأهرام