Menu

بين السلام الاقتصادي الأمريكي والحقوق الوطنية

محمّد جبر الريفي

الإقليمية فكرة مدمرة لم يعرفها الشعب العربي الفلسطيني عبر تاريخه السياسي والنضالي الطويل، لهذا كان للقضية الفلسطينية منذ نشأ الصراع العربي - الصهيوني بعدًا قوميًا تتكامل فيه الخصوصية ال قطر ية مع الانتماء القومي، غير الذي لا يسمح به هو مصادرة هذه الخصوصية الوطنية بحجة الانتماء القومي، وذلك عن طريق التدخل في مصير القضية الفلسطينية بمحاولة الالتفاف على الحقوق الوطنية المشروعة مسايرة للسياسة الأمريكية وللأطماع الإسرائيلية التوسعية، وهو ما يجري الآن في البحرين الذي ينعقد في عاصمتها المنامة مؤتمر اقتصادي أمريكي بمشاركة إسرائيلية؛ لتحويل القضية الفلسطينية من طابعها الوطني التحرري المقاوم للاحتلال إلى الطابع المصلحي المعيشي، مما يشكل في الواقع عملية الارتداد السياسي عن البعد القومي.

 لقد أثبتت تجربة تطورات القضية الفلسطينية أنها قومية الانتماء، وأن التناقض بين الكيان الصهيوني والأمة العربية هو تناقض رئيسي؛ لأن (إسرائيل) كيان استعماري قائم على التوسع والسيطرة يمتد خطرها لكل فلسطيني وعربي، وبالتالي فإن مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين هو أهم مهمات الحركات الوطنية العربية المعاصرة، وإن المعاناة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في كل مجالات الحياة المدنية المعيشية، هي معاناة سياسية بالدرجة الأولى، مبعثها الأساسي هو قيام هذا الكيان الصهيوني على أنقاض وطنه عام 1948، وإن زوال هذه المعاناة الإنسانية مرتبط بإنجاز هدف التحرر من الاحتلال الإسرائيلي والحصول على الاستقلال الوطني الكامل بإقامة الدولة المستقلة كباقي دول المنطقة والعالم وليس بإغداق المساعدات الاقتصادية ذات الطابع الإغاثي، أو إقامة المشاريع الإنمائية تحقيقًا لما يسمى بالرخاء والازدهار وتحسين الأحوال المعيشية للفلسطينيين. إن الهدف الحقيقي من وراء هذا التوجه الاقتصادي، أو ما يسمى بالسلام الاقتصادي الذي تتبناه واشنطن، هو محاولة خبيثة لإبعاد تسليط الضوء على القضية الفلسطينية العادلة باعتبارها قضية سياسية تحررية، وهو كذلك خطوة من خطوات التحدي الأمريكي الإسرائيلي الجديد للبرنامج السياسي الفلسطيني القائم على مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي.

إن المستقبل العربي ليس بيد الأنظمة العربية التي تدير ظهرها للقضية الفلسطينية وتتوافق مع المخطط الأمريكي الصهيوني القادم، وذلك انطلاقًا من الحفاظ على مصالحها الطبقية في بقاء فئاتها الاجتماعية ضمن التحالف الطبقي الحاكم؛ متمسكة بمقاليد السلطة السياسية الاستبدادية، بل هو بيد القوى السياسية الوطنية والقومية والديمقراطية الثورية التي تمتلك البرامج السياسية والاقتصادية الأكثر تقدمية وثورية الكفيلة بإفشال المشروع الصهيوني الأمريكي الرجعي؛ لأن جوهر هذا المشروع التآمري يتمثل في ترتيب أوضاع المنطقة بما يتعارض بشكل جذري مع أهداف شعوبها في التحرر والتقدم والانعتاق من علاقات التبعية بكل أشكالها مع النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي.