قبل عام، أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اتخاذ قرارين حول وضعية مدينة القدس المحتلة، ونقل السفارة الأمريكية إليها، باعتبارهما جزءاً من «خطة لتسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني»، أطلق عليها «صفقة القرن»، وهي فكرة «إسرائيلية»- أمريكية قديمة. وقبل شهر، أعلنت الخارجية الأمريكية أن «بنود الخطة» ستعلن في شهر رمضان. وقبل أيام أعلن عن اجتماع «ورشة السلام من أجل الازدهار»، الذي سيعقد في عاصمة البحرين في السابع من يونيو/ حزيران ، يمثل «الجزء الاقتصادي» من «صفقة القرن»، ثم في وقت لاحق يتم الإعلان عن «الجزء السياسي» منها. في البداية توقع البعض أن تكون قرارات ترامب «مناورة» لإعادة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات، لكن ترامب وضع قراراته موضع التنفيذ، وإن لم تجد النجاح المطلوب على المستوى الدولي، بل قوبلت بالاستهجان والرفض.
وفي الأيام التي تلت الإعلان عن «ورشة البحرين»، كتبت عشرات المقالات حولها، وشارك فيها كتّاب عرب وأجانب، أمريكيون و«إسرائيليون»، وتباينت حولها الآراء. ومعروف أن الموقف الفلسطيني المعلن بكافة أطرافه هو ضد هذه «التسوية»، وتعهدت كافة الأطراف بمقاطعتها والعمل على إفشالها بأي ثمن. أما الموقف «الإسرائيلي»، كما عكسته الصحافة «الإسرائيلية»، فكان منقسماً بين مؤيد ومعارض، بين متفائل بنجاح «الصفقة» و«الورشة»، ومتشائم يرى أن مصيرهما الفشل.
السؤال بالنسبة للفلسطينيين، والعرب المعارضين، هل تنجح صفقة ترامب أم تفشل، بل كيف يمكن إفشال هذه التسوية؟
بداية يجب عدم الاطمئنان إلى فشل التسوية من دون أفعال ومواقف قوية تؤدي إلى إفشالها. ويجب أن يعلم الجميع أن مواقف الرفض اللفظي، والمؤتمرات الخطابية والشجب والتنديد، ليست كافية لإفشالها. في الوقت نفسه، لا يجب أن تخدعنا المواقف اللفظية الأجنبية أو «الإسرائيلية» التي قد تعترض أو لا تؤيد «الصفقة»، وما يتصل بها. بمعنى آخر، لا يجب على الفلسطينيين بالذات أن يأكلوا «جوزاً فارغاً»، أيّاً كانت الجهة التي قد تقدمه لهم، وعليهم أن يفكروا في الطرق العملية التي تحقق الفشل على أرض الواقع. إن هذا يركز الضوء على السؤال المطروح: كيف يمكن تحقيق ذلك، وما هو المطلوب فعله والقابل للتحقيق؟
منذ صدور «وعد بلفور»، وصولاً إلى هذه ال«صفقة»، رفض الشعب الفلسطيني عشرات القرارات، بما فيها تلك التي صدرت عن المؤسسات الدولية وهيئة الأمم المتحدة. صحيح أن ذلك الرفض لم يوقف المؤامرة، ولم يمنع من تنفيذ مراحل متقدمة منها، وأولها إقامة «دولة إسرائيل»، لكنّ سعي الكيان الجديد للحصول على الاعتراف الفلسطيني النهائي لم يتوقف، رغم ما تم الاستيلاء عليه من الأرض، حتى اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية عبر «اتفاق أوسلو- 1993» بما مساحته 78% من أرض فلسطين، مقابل وعد ب«دولة فلسطينية على حدود 1967». ذلك لأن هذا الاعتراف الفلسطيني، يمثل «شرعية» الوجود الصهيوني الذي يضمن بقاءه. الآن تأتي «الصفقة» للحصول على ما لم يحصل عليه الصهاينة خلال قرن من المؤامرات والحروب والجرائم، إضافة إلى ما بقي من الأرض، ما يجعل جواب السؤال المطروح مختصراً في إسقاط الصفقة و«عدم إعطاء» هذا الاعتراف. ويبقى كيف يتحقق ذلك؟
الجواب في الموقف الفلسطيني، وعلى شعبها أولاً، وربما وحدهم، تقع اليوم مسؤولية تاريخية، في التعامل مع خطط التسوية الجديدة وتبعاتها على أرضهم وحياتهم، على ماضيهم ومستقبلهم، فلهم كلمة الفصل في كل ما يجري ويعد في الأروقة والدهاليز،وفي المكاتب وعلى الارض.

