Menu

أسئلة حول ثقافة التواطؤ الجماعى

نبيل عبد الفتاح

هل يمكن أن تستمر حياتنا؟! هكذا مسارات من التواطؤ والكذب والازدواجية والتمثيل؛ العالم المعولم غادرنا واتسعت الفجوات بيننا، وبين تطوراته المذهلة ولا نزال نُعيد أسئلتنا القديمة وسياقاتها،

 وكأننا فى فضاءات مصمتة وساكنة ولم تتغير، ولانزال نسعى لإيجاد حلول لمشكلات تخلفنا التاريخى فى عصور ماضوية تبدو لنا ذهبية، لأننا نعيش على بعض أساطيرنا وأوهامنا، ولا نفكر بجدية ولا نمارس التفكير النقدى، ولا نوصّفُ أحوالنا، ولا نحللها فى صرامة وجدية، ونضع أيادينا على مواطن العلل فى أفكارنا وسلوكنا، وفى تركيبة مجتمعنا، وفى موروثها، لأننا تركنا أمورنا رهينة لغة خشبية لا تبين، وعشنا على مجموعة من الشعارات تستعاد بين الحين والآخر؟!. بعض «النبهاء» ركزوا قليلاً حول نقد السياسة، وكأن ثمة سياسة منذ «ثورة يوليو 1952، وحتى الآن ولم ندرك أن السياسة ماتت، وحلت بديلا عنها الإدارة التسلطية والأوامر والنواهى وقوة أجهزة الدولة القمعية والإيديولوجية، بينما غابت المبادرة الحرة الفاعلة من «الفرد» الحر المسئول، لأن الفرد - والاستثناءات قليلة - كان ولايزال مشروعاً اجتماعيا لم تتوافر الشروط السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية التى تؤدى إلى إنتاجه كمشيئة وإرادة ومسئولية وفعل حر فى الحياة فى إطار دولة القانون الذى يفترض أن يعبر عن توازنات المصالح بين الفئات الاجتماعية المتنازعة فى مجتمعنا لا فقط القوى المسيطرة.

نتحدث عن الديمقراطية، وكأنها محض مؤسسات وقواعد وآليات عمل، بينما السياسة الغائبة، وخطابات النخب جميعها تبدو محضُ لغو وثرثرة مفارقة للسياسة ورؤاها وبرامجها وآلياتها!

خطابات بائسة حول الديمقراطية تتناسى أنها ثقافة سياسية ومنظومات من القيم، وأنماط سلوك وتجارب وتراث ومحركات سياسية واجتماعية!

بعضهم يتصور الديمقراطية وأفعالها السياسية، محضُ مناورات ومساومات فقط تدور بين النخب المتصارعة، بعيدة عن القواعد والقوى الاجتماعية؟

أحزاب مصرية بلا قواعد أو جذور اجتماعية، تعبُر عن مصالحها، وتدافع عنها بل وتبلور هذه المصالح، وتحشد قواعدها وراءها! هل يعقل أن تكون الأحزاب السياسية الورقية تعبيرا عن قلة من بعض مؤسسيها وقادتها وبعض نسائها عند قمة هذه الأحزاب، التى أسست دفاعا عن مكانة ومصالح وأنشطة بعضهم الاقتصادية؟!

تواطؤات وتحالفات عارضة بين رجال الأحزاب ونسائها فيما بين بعضهم بعضاً، وفى مساوماتهم مع الدولة ورموزها وأجهزتها، من أجل استمرارية نخبة حزبية تفتقر فى غالبها إلى الملكات السياسية والخبرات إلا قليلاً!

هل يمكن أن تولد السياسة، والأحزاب، والديمقراطية دونما طلب اجتماعى غلابُّ على السياسة والفكرة الحزبية والحريات؟! هل من الممكن أن نواجه تحديات عصرنا المعقدة من خلال عقول أعدت للماضى، وتفتقر إلى تكوين مواكب لتحولات عميقة فى المعرفة والسياسة والثقافة والاقتصاد العولمى؟!

هل يمكن أن يحدث تغيير اجتماعى قادر على إيجاد كتلة اجتماعية - متعددة المنابع-، ذات عيون مفتوحة على الباثولوجيا الاجتماعية - أمراضنا - وأساطيرنا وأكاذيبنا، وتسعى إلى وضع أياديها على اختلالاتنا، دونما مراوغة، أو ممارسة لثقافة النفاق الاجتماعى والسياسى المصرى للذات القومية، تحت علات شتى على رأسها تمجيد الذات المصرية على نحو مرضى، هو فى ذاته تعبير عن أزمات ممتدة فى العقل والثقافة والوعى المصرى شبه الجماعى؟

منذ عديد العقود، ولا نزال نعيد بعضا من نثارات الخطابات القديمة حول الشخصية الفهلوية، والشخصية الإمعية، والثقافة التسلطية ونتناسى أن مفهوم الشخصية القومية والهوية القومية تراجعت فى الدرس الأكاديمى السوسيولوجى، والأنثربولوجى، وأن تحولات عصرنا ما بعد الحديث تجاوزت المفاهيم الكبرى المتخيلة تحت إيقاعات الشرط ما بعد الحديث والعولمى، وانشطاراته وتذريه وتشظيه، ولايزال عقلنا والوعى الجمعى أو شبه الجمعى يعيد إنتاج ذاته دونما متابعة بصيرة بما يحدث حولنا وبنا، والدنيا الجديدة التى نعيش فيها مستهلكين وغير منتجين، ولا ندرس مشكلاتنا، ولا ظواهرنا، ولا تجارب الأمم الناهضة فى عالمنا، فى آسيا وفى بعض بلدان جنوب العالم!

ننتقد النظام السياسى التسلطى، ولا ننقد الدولة، ونخلط بينهما! والأخطر نتناسى نقد المجتمع وتشريحه وتحليله، ومعرفة ظواهره! لم نعد إزاء مجتمع واحد موحد على نحو ما يبدو فى خطابات السلطة والمعارضة! ننتقد الوزراء ورؤساء مجالس الوزراء، ورئيس الجمهورية، والبرلمانات، وبيروقراطية الدولة، ولا ننتقد المجتمع رغما عن ظواهر خطيرة وممتدة، وأزمات بنيوية تبدو فى صلب نسيجه، وذلك تحت وقع حالة مرضية تتجلى فى مديح «الذات القومية» وعلى إيقاعات مصر.. مصر.. مصر.. وتحيا مصر..!، أو أم الدنيا وغيرها من الهتافات والأغانى والأناشيد الإنشائية الخشبية، التى يستكين تحت وطأة أسطورتها الكسل والكذب والرشوة واللا عمل واللا مسئولية واللا كفاءة، وتراث من التفاهة ممتد ويسرى فى فضاءات الأسرة والعمل والمسكن والإعلام، والتعليم وأساطير ثقافية وفى قلب لغو اللا سياسة الذى عاد وبقوة بعد الانتفاضة الثورية المجهضة. ثقافة تواطؤ جماعى على فساد صغار الموظفين العموميين، وكسلهم وضعف كفاءتهم بمقولة الحاجة وعسر الحياة، بينما الرشوة واللا عمل إلا لمن يرشو! سلوك عام وشائع، وقلة فقط هى التى تعمل فى صمت وتعانى دون أن تتلوث أياديها بإثم الرشوة أو الاختلاس أو الكسل.. الخ.

ظاهرة الغش الجماعى الوبيلة فى ظل نظام وسياسة تعليمية ومناهج دون المستويات العالمية المقارنة، ومع ذلك شاع الغش ووراءه الأسر، وبعض المعلمين فى إطار ما يبدو أنه مشروع للتواطؤ وللانهيار الجماعى! خذ ظاهرة تبرير الدروس الخصوصية من التلاميذ وطلاب الجامعات، والأسر، والمدرسين والمدرسات والمجتمع الذى قبل هذا الهدم العمدى للعملية التعليمية، ألا يعكس ذلك تهتكا فى نسيج التكوين المصرى.

ظاهرة توريث المهن والوظائف الخطيرة، التى تهدم مبدأ تكافؤ الفرص، وتفتح الباب عن سعة لتدهور مستويات الأداء المهنى، وتردى الكفاءة كنتاج لتقنين نفوذ الآباء داخل المهنة، ولا أحد يراجع ويسائل ويردع هؤلاء! وإنما تواطؤات داخل السلطة، وفى المهن، وفى سلوك بعض كبار الموظفين العموميين أو أساتذة الجامعات.

ظاهرة التواطؤ الجماعى على بعض أنماط السلوك الفاسد تنتشر بسرعة ووتائر وكثافة عالية، وتحطم معانى وثقافة المواطنة والمساواة، وتكافؤ الفرص، ومبدأ سيادة القانون، والأخطر صياح هؤلاء الذين يدافعون عن تقنين التوريث الفاسد للوظائف والمهن داخل السلطة أو خارجها.

لن نتحرك خطوة جادة للأمام دون مواجهة نقائصنا، وفشلنا ومصادره وخيباتنا المتعددة، ونتحرك للعمل بعيداً عن الهتافات والصياح والنفاق الفردى والجماعى ومصر.. مصر.. مصر!!

نقلا عن الأهرام