حتى لحظة كتابة هذه السطور (أواسط حزيران/يونيو 2019) لم يتم الإعلان رسمياً عما يسمى "خطة السلام الأميركية لتسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني" المعروفة باسم "صفقة القرن"، ومن غير المتوقع أن تُعلن قبل تأليف الحكومة الإسرائيلية المقبلة بعد الانتخابات العامة التي ستجري يوم 17 أيلول/سبتمبر 2019. مع ذلك فإن التسريبات بشأنها، ولا سيما على شكل تصريحات من طرف أشخاص ضالعين في الإعداد لها داخل أروقة الإدارة الأميركية، تحيل على نحو شبه مؤكد إلى أنها ستركز على المسائل الاقتصادية، وعلى كيفية تنمية الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 بدلاً من التركيز على المسائل الجوهرية التي شكلت المبادئ الأساسية لكل "خطط السلام" السابقة بما في ذلك خطط أميركية (خطة كلينتون مثلاً)، وهي: القدس ، اللاجئون، المستوطنات، الحدود، الأمن، والدولة الفلسطينية المستقلة.
وهذا بالضبط هو ما أكده جاريد كوشنير، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره، الذي يقف على رأس الطاقم المسؤول عن إعداد الخطة/الصفقة والدفع بها قدماً، في سياق مقابلة أجرتها معه مجلة "The National" (26/2/2019)، حين قال: "إن ما نحاوله هو حل واقعي يحسّن حياة الناس ويقوم على المبادئ التالية: الحرية- حرية الأديان وممارسة المعتقدات، والاحترام- احترام الشعوب لبعضها البعض، توفير الفرص، وتحقيق الأمن".
مؤدى ما يقوله كوشنير هو أن الخطة الأميركية تتبنى فكرة ما يعرف باسم "السلام الاقتصادي"، وهي فكرة مستلّة من جوهر الخطة الأصلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وسبق أن أعلنها عام 2008 حين كان زعيماً للمعارضة، ولكن بعد انتخابه رئيساً للحكومة عام 2009، وتحت ضغط الإدارة الأميركية السابقة برئاسة باراك أوباما، ألقى خطاب بار إيلان الذي اعترف فيه بـ"حل الدولتين".
وتشير تحليلات إسرائيلية كثيرة إلى أنه بالرغم من ذلك الاعتراف عمل نتنياهو منذ ذلك الوقت وبصورة ممنهجة على تدمير هذا الحل من ناحية عملية، وعلى تكريس انقسام الشعب الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية. وليس هذا فحسب إنما أيضاً لم يقم بأي خطوة من شأنها أن تخدم حتى فكرة "السلام الاقتصادي"، بل على العكس، قامت الحكومات الثلاث التي وقف على رأسها بعد انتخابه بجعل الأوضاع الاقتصادية في كل من القطاع والضفة أسوأ مما كانت عليه.
ومن خلال رصد أغلبية التحليلات الإسرائيلية لـ"صفقة القرن" نشير إلى أنها تؤكد في شبه إجماع أن تأثير نتنياهو في ترامب ومستشاريه كبير للغاية، فقد تبنى الرئيس الأميركي اقتراح رئيس الحكومة بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران والعودة إلى سياسة فرض العقوبات عليها. كما يؤثر نتنياهو في ترامب في كل ما يتعلق بموضوع التسوية مع الفلسطينيين، ويبدو أن الإدارة الأميركية قبلت عملياً فكرة "السلام الاقتصادي"، كما قد يستشف من الحراك الذي تقوم به لعقد الورشة الاقتصادية في البحرين .
الاعتقاد السائد في إسرائيل هو أن "صفقة القرن" ستكون حتى بعد كشف النقاب عن جوانبها السياسية، منحازة إلى إسرائيل التي حظيت باعتراف الإدارة الأميركية ب القدس عاصمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، كما قامت بنزع صفة "الأراضي المحتلة" عن الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل في حزيران/يونيو 1967.
ويعبّر قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيونية عن موقف أميركي جديد. وبهذا الشأن من المفيد الإشارة، استناداً إلى التقييمات الإسرائيلية، إلى أن سياسة الولايات المتحدة التقليدية لم تتضمن حتى الآن اعترافاً رسمياً كهذا. وفي بعض هذه التقييمات ذُكر أنه طوال أعوام كانت السياسة الأميركية ترى أن الاتفاق على الوضع النهائيّ للقدس يجب أن يتم التوصل إليه من طريق مفاوضات بين الطرفين الإسرائيليّ والفلسطينيّ، واعتبرت هذه السياسة القدس الشرقية جزءاً من الأراضي التي احتُلت عام 1967، كما عارضت قيام إسرائيل بضمّ القدس الشرقية إليها، وبناء مستوطنات في هذه الأرض. ومع أن ترامب أوضح أن الولايات المتحدة لن تتخذ موقفاً من قضايا الوضع النهائيّ للصراع الفلسطيني مع إسرائيل، بما في ذلك قضية "حدود السيادة الإسرائيلية في القدس"، إلا إنه في الوقت عينه لم يميّز في كلامه بين القدس الشرقية والقدس الغربية.
وإزاء هذا خرجت بعض الأصوات، بما فيها من داخل دولة الاحتلال، تقول إن النشوة التي أخذت اليمين الإسرائيلي الحاكم جعلته يتجاهل حقيقة أن ترامب تكلم لأول مرة عن حل الدولتين، وأنه من ناحية عملية لم يقرّ بحدود القدس كما تشتهي إسرائيل أن تكون إلى الأبد. وفي واقع الأمر لم يتجاهل اليمين في إسرائيل هذا الأمر، لكنه اعتبر أن ترامب عندما ذكر فكرة حل الدولتين وألمح إلى عدم إقراره بحدود القدس، رهن هذا بموافقة الجانبين عليه. وبما أن إسرائيل هي الجانب القوي في المعادلة فإنها قادرة على أن تفرض موقفها حيال حل الدولتين من جهة، وحيال مسألة الحدود من جهة أخرى.
وثمة رسالة أخرى استبطنها اليمين الإسرائيلي من قرار ترامب، وفق ما أمكن الاستدلال عليه في مقالات عديدة لكتابه والناطقين بلسانه، فحواها أن فرض الوقائع عمل ويعمل لصالح إسرائيل، وأنه كلما فرضت إسرائيل أمراً واقعاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 ستحظى باعتراف الولايات المتحدة وربما غيرها بهذا الواقع.
ويمكن تقديم كمّ من الأمثلة التي تبرهن على صحة ذلك. ولعلّ أبرزها ما حدث عام 2005 عندما بعث الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن برسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أريئيل شارون باتت تُعرف باسم "رسالة الضمانات"، أقرّ فيها بأن الولايات المتحدة لن تقبل بمبدأ العودة إلى خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967 كأساس للتسوية مع الفلسطينيين، وهو موقف جديد فرضه الأمر الواقع للكتل الاستيطانية الكبرى في أراضي الضفة الغربية.
وليست سياسة فرض الأمر الواقع جديدة على الحركة الصهيونية. فقد استخدمتها منذ تأسيسها من أجل إقامة دولة الاحتلال في 1948 وتوسعتها في 1967. كما يجدر هنا أن نستعيد مقولة أول رئيس حكومة إسرائيلية ديفيد بن غوريون بأن نجاح دولة الاحتلال في هذا الخصوص لا يعتمد على ذكاء اليهود فقط إنما على جهل الطرف الآخر. فهي مقولة تستحق أن نتوقف عندها دائماً وألا نمرّ الآن على دلالتها مرور الكرام.
الجوانب السياسية
فيما يتعلق بالجوانب السياسية لـ"صفقة القرن" فإن ما أفلحت إسرائيل في فرضه على أجندة الإدارة الأميركية الحالية هو خطاب الضم حيال الأراضي المحتلة منذ 1967.
وعلينا أن نعيد إلى الأذهان أن الكثير من الساسة الإسرائيليّين ولا سيّما من اليمين يدعون في الفترة الأخيرة إلى الإعلان عن ضمّ مناطق من الضفّة الغربيّة إلى السيادة الإسرائيليّة. وتواترت مثل هذه الدعوات بعد انتخاب ترامب، وفي إثر صدور قرار مجلس الأمن رقم 4334 الذي دان المستوطنات وأكّد على حلّ الدولتين على أساس حدود حزيران/ يونيو 1967. فقد ازدادت أصوات اليمين الإسرائيليّ التي تطالب بضمّ مناطق من الضفّة إلى السيادة الإسرائيليّة، وباشر سياسيّون إسرائيليّون - وخاصّة من حزبي الليكود و"البيت اليهوديّ"- في إرساء أوّل خطوة في هذا الاتّجاه تتمثّل في طرح قانون ضمّ مستوطنة "معاليه أدوميم" إلى السيادة الإسرائيليّة، على الرغم من أنّ هناك أوساطاً في اليمين تطالب بضمّ مناطق ج كلّها إلى السيادة الإسرائيليّة. في هذا السياق مثلاً، جاء تصريح وزير التربية والتعليم ورئيس "البيت اليهودي" السابق نفتالي بينت في اليوم التالي للانتخابات الأميركية والذي اعتبر فيه فوز ترامب فرصة تاريخية لإسرائيل، حيث أن عهد الدولة الفلسطينية قد انتهى برأيه. وقال بينيت "إن انتصار ترامب هو فرصة رائعة لإسرائيل من أجل الإعلان فوراً عن تراجعها عن فكرة إقامة فلسطين في قلب البلاد، والتي هي مسّ مباشر بأمنها وصدقية طريقها". وازداد نهم اليمين للدفع قدماً بفكرة الضم بعد لقاء ترامب مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض في شباط/ فبراير 2017، حيث صرح ترامب بأنه يؤيد أي صيغة للحل يتوصل إليها الطرفان.
ويعتبر اليمين الإسرائيلي، وخاصة الاستيطاني، الذي بات أكثر القوى السياسية تأثيراً على الدولة والمشروع الصهيوني في هذه الفترة، أن اللحظة التاريخية الراهنة تعتبر ساعة الحسم في مشروع الضم، وفي الظروف الحالية فإن الوضع الأفضل من ناحيته هو ضم مناطق (ج) التي تشكل 60% من مساحة الضفة، وفيها كل المستوطنات اليهودية، وهذا يضمن عدم قيام دولة فلسطينية سيادية. وينطلق المركز السياسي اليميني من فكرة الضم بشكل تدريجي، ولكن أعضاءه يختلفون بشأن ما هي حدود الضم، فمثلا يقترح بينت في خطته ضم مناطق (ج) إلى السيادة الإسرائيلية، ومنح حكم ذاتي إداري في باقي المناطق، أما أوري أريئيل حليف بينيت سابقاً في حزب "البيت اليهودي"، فإنه ينطلق من ضم كل الضفة الغربية ومنح الفلسطينيين مكانة مواطنة، بينما أطلق عضو الكنيست من الليكود ميكي زوهر فكرة ضم الأرض ومنح حقوق اقتصادية واجتماعية للفلسطينيين ما عدا الحق في التصويت والترشيح في الانتخابات. وهكذا تحول سجال الضم في المجتمع الإسرائيلي وفي المشهد السياسي إلى "بازار أفكار"، وهو نقاش إسرائيلي داخلي تحوّل الفلسطينيون فيه إلى "حاضر غائب". فهم مغيّبون عن النقاش، ولا أحد يفكر في موقفهم وردة فعلهم وتوجهاتهم.
وينم سجال الضم عن تحولات كبيرة في الساحة الإسرائيلية بمعزل عن القدرة على إخراجه إلى حيز التنفيذ كله أو بعضه.
في هذا السياق يجب التفريق بين نوعين من الضم:
الأول، الضم في إطار تسوية سياسية مع الفلسطينيين مثل الاقتراح بضم الكتل الاستيطانية وتبادل الأراضي ضمن اتفاق حل نهائي؛
الثاني، ضم مناطق بمعزل عن اتفاق تسوية أو تنسيق مع الفلسطينيين، بل كخطوة أحادية الجانب من طرف إسرائيل. وهو التعريف النظري الصحيح لمصطلح الضم (Annexation) في قاموس العلوم السياسية، على غرار ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، أو ضم إسرائيل للجولان.
وقد استطاع اليمين أن يجعل من فكرة الضم خياراً قوياً من بين خيارات الحل الأخرى في المشهد الإسرائيلي، كما شهدنا في الحملة التي سبقت انتخابات نيسان/أبريل الفائت، فمن جهة دفع بأصحاب التوجهات الأخرى إلى إدارة نقاش معه حول هذه الفكرة، وانتزع منهم موافقة مبدئية ضمنية حتى لو كانت نزاعية (Contentious)، من خلال ادعاء أصحاب التوجهات الأخرى وخاصة أصحاب حل الدولتين، بأنهم لا يعارضون الضم إذا ما استطاع اليمين فعل ذلك. ويظهر هذا الاعتراف المبدئي على شاكلة التحدّي الذي يطرحونه لليمين بصيغة "قوموا بالضم وسنرى كيف ستتعاملون مع مكانة السكان الفلسطينيين ومع الموقف الدولي!"، أو جملة "أنتم في الحكم عقودا فلماذا لا تقومون بضم المناطق؟"، وهذه الجمل النزاعية التي تهدف إلى إحراج اليمين، من وجهة نظر قائليها، لا تنطوي في العمق على نزعة إسقاط الشرعية عن فكرة الضم، ويقول بها قائلوها بوعي وبدون وعي، ويُضاف إلى ذلك أن هناك صعوداً في نسبة المؤيدين لمشاريع الضم في الشارع اليهودي، فمثلاً في استطلاع للرأي العام (أجري في كانون الأول/ديسمبر 2016) أعرب نحو 40% من الإسرائيليين عن تأييدهم لضم كل مناطق الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، بينما كانت نسبة تأييد الجمهور الإسرائيلي للضم الكلي 17% في عام 2009 وارتفعت إلى 25% في عام 2010.

