Menu

الجبهة الشعبية التونسية: نقاش في الأزمة

علي بن جدو

بلغت الأزمة في الجبهة الشعبية على امتداد الثلاثة أشهر الأخيرة مداها الأقصى  وبات الحديث عن رأب الصدع مجرد أمنية أو شحنة عاطفية أقرب إلى التمني منها إلى الحقيقة. فالخلافات بلغت مبلغها الأقصى والهوة اتسعت بين مكوناتها وأصبحنا أمام خيارات متعددة لما بعد الجبهة الشعبية بصورتها التي استمرت عليها لمدة سبع سنوات، كتجمع ائتلافي لمجموعة من الأحزاب اليسارية والعروبية، وكقوة معارضة أولى في المشهد السياسي التونسي. والحقيقة أن الأزمة ليست كما يُسوَّقُ لها في الإعلام والمواقع الافتراضية ذات صلة بمن يترشح لرئاسية 2019 أو بدمقرطة الجبهة، وإنما هي أزمة ذات علاقة بالسلوك السياسي، وكل التكتيكات التي تصنع هوية الجبهة وتحدّد تموقعها في الخارطة السياسية التونسية ورهاناتها المباشرة والبعيدة.

ولعلّ ما حدث في الآونة الأخيرة من استقالة، غير مسبوقة بنقاش أو تنبيه وتفاوض، لتسعة نواب من كتلة الجبهة ثم ذهابهم لاحقًا في خيار بعث كتلة جديدة باسم الجبهة الشعبية وما طبع ذلك من سلوك انشقاقي، لعل هذا التمشي بكل ما رافقه من ضغط ولغط وردود فعل من هذا الطرف أو ذاك، يمثل لحظة الحسم الحقيقية في تحديد المآل السياسي للجبهة الشعبية؛ إذ أصبح تطويق الخلاف السياسي الداخلي أمرًا غير ممكن وأصبح مصير الجبهة بتشكيلة سياسية وبهوية أخرى أمرًا متروكا للحسم في المستقبل القريب، لمن تبقّى فيها من مكونات أو يدعى أنه يمثلها الآن وسيمثلها مستقبلًا.

وبالعودة إلى الأسباب العميقة التي أدت في المحصلة النهائية إلى تعطل النقاش الداخلي وإلى هذا الأفق المسدود، لا بد من الوقوف عند بعض العناصر الهامة والمفصلية:

 تعثر النقاش الداخلي الخاص بتحيين الخط السياسي للجبهة وإعادة هيكلتها وبنائها التنظيمي وتحديد موعد ندوتها الوطنية الرابعة سواء صلب المجلس المركزي أو المكاتب الجهوية أو المكاتب الجهوية لمدة تقارب سنة كاملة (من ماي 2018 إلى مارس 2019). فرغم انتهاء كل سلسلة من النقاشات إلى ما يشبه الاتفاق المسجل في محاضر جلسات أو تأليفيات كتابية مخصصة للغرض يُتّفَقُ على عرضها للنقاش والتعديل على المكاتب الجهوية ومن ثمة عرضها على الندوة الوطنية الرابعة للنقاش والمصادقة، فإنه يتم افتعال الخلافات واختلاقها من طرف من يدّعون، في مستوى التصريح، بأنهم الأحرص على تطوير الجبهة، بشكل يوحى بغياب أي اتفاق حاصل وبعدم وجود إرادة للتجاوز، ومن ثم مباشرة المهام المطروحة على عاتق الجبهويات والجبهويين... وأبرز مثال على ذلك في المدة الأخيرة، هو انتهاء المجلس المركزي والندوة المصغرة بحضور بعض نواب كتلة الجبهة والأمناء العامين للأحزاب وأعضاء من مكاتبها السياسية إلى الاتفاق على ثلاث مسائل رئيسية تهم الحياة التنظيمية الداخلية للجبهة وإعادة هيكلة مؤسساتها، ووضع مدونة سلوك تضبط معايير العلاقات الداخلية لأحزاب الجبهة ومناضليها، وآليات حسم الخلافات والتجاوزات السياسية وإخلالات الالتزام التنظيمي، إلى جانب التكتيك السياسي وتحيين أرضية الأرضية (بعد قبول مقترح إضافة فقرة قصيرة على النص الأصلي من طرف الرفاق في الوطد الاشتراكي)، وتحديد موعد الندوة الوطنية الرابعة في تاريخ أقصاه 30 مارس 2019، وتشكيل لجنة إعداد تنظيمي ولوجستي منسقها الرفيق علي بنجدو. هذا المقترح وقع قبوله وتبنيه من كافة المكونات السياسية، ولكن النقاش تعطل في نقطتين أساسيتين تم حسم إحداهما في اجتماع الأمناء العامين بموافقة أغلبية 8 أحزاب من 9 وهي المتعلقة بمرشح الجبهة للانتخابات الرئاسية 2019 (الحزب الوحيد الذي عارض ترشيح حمة الهمامي هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد)، وهو أمر عادي باعتبار أن الطريقة المعتمدة هي التوافق، وإن تعذر ذلك فبالتصويت. وقد تم هذا بعد أن تم تفويض الأمناء العامين يوم 5 مارس من طرف المجلس المركزي لحسم ثلاث مسائل عالقة وهي مرشح الرئاسة/تفعيل التداول على خطة الناطق الرسمي/الاتفاق على قائمات الانتخابات التشريعية في 33 دائرة انتخابية باسم الجبهة الشعبية مع ضمان تمثيلية كل الأطراف المكونة للجبهة برئاسة قائمة انتخابية على الأقل.    

 اختزال غير موضوعي وغير منصف لأزمة الجبهة سواء في فعلها السياسي أو الميداني المباشر أو في خطابها وظهورها الإعلامي والدعائي في شخص ناطقها الرسمي، مع ما رافق ذلك من عمليات تشهير وقدح وتشويه واتهام بالتقصير والبيروقراطية وضعف في الأداء السياسي ومركزة للقرار السياسي والتنظيمي في شخصه. هذا الاختزال غير المبني على إسناد موضوعي كان يتجدد بين الحين والآخر في حملات اتهام ممنهجة في كل بداية سنة سياسية مع ما يتبع ذلك من استهداف للجبهة الشعبية وتشويه لصورتها ومحاولات إظهارها ككيان سياسي لا ديمقراطي ومحكوم بسلوك الزعامة؛ ولأن هذا الأمر يحتاج إلى شيء من التفصيل والحجة لبيان زيف هذه المزاعم وأسبابها المتحكمة فيها، فإنني سأورد بعض الأمثلة التي يشهد بصحتها أغلب أعضاء المجلس المركزي، وكل من مر بتجربة القيادة صلب الجبهة الشعبية على مدى السبع سنوات السابقة:

1. الرفيق حمة وقع انتخابه بإجماع كل أعضاء المجلس المركزي مباشرة في اجتماع مخصص للغرض بعد الندوة الثالثة.

2. اجتماعات المجلس المركزي كانت في أغلبها تتم بحضوره وتحت إشرافه وكانت النقاشات ديمقراطية وحرة ومفتوحة دونما ضغط أو ما شابه ذلك، ولم يكن ثمة ما يبرّر أو يثبت الاصطفاف في هذا الموقف أو ذاك، فكل الأطراف السياسية المكونة للجبهة كانت في الغالب تعد مواقفها وتدافع عنها في وضع من الأريحية، حتى أن وظيفة الناطق الرسمي كانت تقتصر على تسجيل التوافقات وإبرازها ليتم تبنيه لاحقًا. والملاحظ في هذا السياق هو أن الناطق الرسمي لم يكن ينتصر لحزبه أو لأي حزب آخر سواء في إدارة النقاش السياسي أو في حال ظهور خلافات سياسية أو خلافات ذات طابع تنظيمي صلب المجلس المركزي وهو ما ينزع عنه تهمة التسلط أو البيروقراطية أو إدعاء الزعامة.

3. خلافًا لما تم تسويقه في الإعلام من اتهام للناطق الرسمي بالتقاعس في أداء المهام السياسية والتنظيمية الموكولة إليه فإن الرفيق حمه بمعية قلة قليلة من أعضاء المجلس المركزي والمشرفين على دوائر الجبهة (خاصة دوائر الانتخابات والهيكلة والتنظيم والتعبئة والعمل الجماهيري)، كانوا الأكثر حضورًا وانضباطًا في أداء مهامهم، وكل مناضلات الجبهة ومناضليها ومتابعي أنشطتها الميدانية يعلمون حقّ العلم الجهود التي بذلت في هذا الاتجاه (الاجتماعات الشعبية العامة، الاجتماعات الداخلية الخاصة بالهيكلة والتقييم، الانتخابات الرئاسية، إسناد مرشحي الجبهة في الانتخابات التشريعية 2014 ومرشحيها في البلدية 2018 مع كل ما يرتبط بذلك من جهد ذهني وعمل تنظيمي داخلي بالوسائل المتاحة وبأبسط الإمكانات المالية والتقنية واللوجستية.). 4. الظهور الإعلامي للناطق الرسمي في المسائل ذات العلاقة بالجبهة أو المسائل الأخرى ذات الطابع السياسي، كان في أغلبه يتم بعد تشاور مع أعضاء المجلس المركزي واستشارة ذوي الاختصاص من الخبراء والمختصين في الجبهة أو الأكثر قربًا لتوجهاتها السياسية، علاوة على تقبّله للملاحظات بعد كل ظهور إعلامي سواء تعلقت بالشكل أو بالمضمون، وهو ما ينفي صحة الزعم القائل بأن الظهور الإعلامي للناطق الرسمي هو محض سلوك فردي بغاية التسويق لشخصه كمرشح افتراضي وحيد للرئاسة باسم الجبهة الشعبية.

 إن النقاش السياسي صلب المجلس المركزي، في عمومه وفي تتابع مضامينه السياسية وتسلسلها، كان باستمرار يدور حول مستجدات الوضع السياسي الوطني/المحلي وكيفية تعاطي الجبهة معه إجابة سياسية ونشاطًا ميدانيًا ومهامًا مباشرة... هذا النقاش وإن كان لا يخلو من توتر وصعوبة في رصد وبلورة معالمه السياسية بسبب اختلاف المرجعيات والتقديرات السياسية؛ فإنه كان موسومًا بتوجهين رئيسيين: توجّه سياسي أغلبي جذري وواقعي في آن واحد يرى أن الجبهة الشعبية يجب أن تتخطى صعوباتها في تطوير روح المبادرة وتسليح مناضليها ومناضلاتها ببرامج ومهام محددة، وأن تتعاطى بايجابية وفعالية/نشاط مع حالات النهوض الثوري والاحتجاجات الاجتماعية سواء أكانت مناسبتية/قطاعية أو جهوية أو محلية من جهة،   أو جماهيرية عامة تربك منظومة الحكم من جهة أخرى، وتضع سياساتها على جدول النضال الجماهيري الواسع في إطار المراكمة السياسية وتجذير المسار الثوري وتنويع آليات المقاومة والنضال فيه وتطوير حالة انغراس الجبهة أكثر فأكثر. وتوجه ثان أقلي في حجم تأثيره، يتعلل باستمرار بضعف الجبهة الشعبية وعدم تناسب المهام التي تطرحها مع حجم فعلها وتأثيرها في المزاج والوعي العامين للجماهير إلى جانب "قصووية خطابها السياسي" و"يسراويته البرجوازية الصغيرة" و"ثوريته المبالغ فيها". (هذا التوجه هو ذاته الذي طغى على بعض من المحسوبين على قيادات الجبهة والحال أنهم يتصرفون خارج مواقف أحزابهم التي ينتمون إليها فما بالك بالجبهة الشعبية). هذه التباينات في المواقف والتوجهات التي بلغت في بعض المناسبات حد التصادم صلب المجلس المركزي أو الكتلة النيابية للجبهة، وأربكت مناضلات الجبهة ومناضليها سواء في الأحزاب أو غير المنتمين، لم تكن في أغلب حالاتها تعكس حالة ديمقراطية صحية بقدر ما كانت تترجم نزوعًا من البعض إلى ليّ الذراع والتخوين والقذف بتهم اليسراوية بما يعنيه كل ذلك من تعدّ على آلية التوافق والالتزام بالموقف الأغلبي.

إن هذا الاختلاف في المواقف والتوجهات ظل إلى حين أمرًا مسكوتًا عنه بداعي الحفاظ على وحدة الجبهة وتماسك خطها السياسي واحترام تقاليد التنظيم الجبهوي الائتلافي.

إن هذه المعطيات والوقائع الخاصة بالجبهة كانت في عمومها أسبابًا مباشرة لما آل إليه وضع الجبهة.