من يُشاهد السفير الأمريكي المُتصهين ديفيد فريدمان، وهو يقوم بواسطة مطرقة ثقيلة بفتح نفق صهيوني أسفل بلدة سلوان المُحتلة، باتجاه القصور الأمويّة وحائط البراق في البلدة القديمة من القدس ، يُدرك تماماً بأنّ هؤلاء المُتصهينين في الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم الرئيس ترامب وفريقه بومبيو وبولتون وكوشنر وغرينبلات وفريدمان، لديهم حقد وعداء سافرين على شعبنا وأمّتنا العربيّة، وهُم متفقون تماماً مع رؤية الاحتلال الصهيوني بأنه لا يوجد شعب فلسطيني، بل تجمّعات سكّانيّة.
وهذا ما عبّر عنه المُتصهين كوشنر في ورشة المنامة الاقتصادية لتصفية الفلسطينية، فهو لم يذكر اسم الشعب الفلسطيني، بل كان يقول الناس في غزة والناس في الضفة، في حين تحدّث عن "الشعب" اليهودي، الجنس الآري، المُتفوّق عرقيّاً، ولذلك لا فرق بين كوشنير وفريدمان وغرينبلات وبين نتنياهو وبينت وليبرمان وحتى يهودا جليك، فكلّهم صهاينة، بل المُتصهينين الأمريكان يُريدون أن يُزايدوا على صهاينة العصر بأنهم أكثر ولاءً منهم للفكر الصهيوني وإخلاصاً لمبادئ الآباء المؤسسين من الصهاينة هرتسل وايزمن وبن غوريون وغيرهم.
والمأساة والطامة الكُبرى أنّ هناك العديد من قادة النظام الرسمي العربي المنهار، يضعون كل بيضهم في سلّة هؤلاء المتصهينين، بل ويشاركونهم في مخططاتهم ومشاريعهم لتصفية القضية الفلسطينية، ويدفعون لهم الأموال لتنفيذ تلك المخططات والمشاريع، ورغم كل ذلك وما يقوم به ترامب وفريقه المتصهين، من "استحلاب" مالي لهم، فهو لا يُكِن لهم أدنى احترام ويتحدّث عنهم بعنجهية وغطرسة وقلّة احترام، فهو يقول بأنّ هؤلاء العربان لا يملكون سوى المال وعليهم الدفع لأمريكا.
نحن قلنا دوماً إنه يجب أن لا نزرع الأوهام عند شعبنا، بأن يكون مثل هؤلاء المتصهينين دعاة سلام أو وسيط مقبول في العملية "السلمية"، فهؤلاء شركاء في الحرب على شعبنا الفلسطيني، ولا يُريدون له الحصول على الحد الأدنى من حقوقه المشروعة في دولة فلسطينية مُستقلة على حدود الرابع من حزيران عام /1967 وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئي شعبنا الفلسطيني وفق القرار الأممي (194)، فكوشنر الذي أشرف على ورشة المنامة الاقتصادية، يتعامل مع قضية شعبنا الفلسطيني على أنها صفقة تجارية، يلتف حولها مجموعة من "الخيّرين" و "المُحسنين" يقومون بوضع أسعار لثمن الوطن، الأرض، ثمن الشهيد، ثمن الجريح، ثمن الأسير، ثمن اللاجئ، وبأنّ قضيّة شعبنا ليست قضية وطن وأرض، بل قضية مال ومشاريع اقتصادية، ولذلك قال بأنّ الفلسطينيون لا يستطيعون حكم أنفسهم، والمُتصهين الآخر فريدمان، قال بأنّ "اسرائيل" من حقها أن تقيم مستوطنات في أي مكان في الضفة الغربية على أراضي دولة أو حتى على أراضي فلسطينية خاصة، والمشكلة ليست في الاستيطان، بل في حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
كوشنر وغرينبلات هما من قادا حملة التحريض ضد أسرى وشهداء شعبنا الفلسطيني، ووصفوا نضاله بالإرهاب، ولذلك نشأت مشكلة أموال المقاصة، والسطو "الإسرائيلي" على عائدات الضرائب التي تجيبها دولة الاحتلال لصالح السلطة الفلسطينية، حيث اقتطعت منذ أربعة شهور منها المبالغ التي تدفعها السلطة لعائلات الشهداء والأسرى، ولتصل البلطجة حد اقتطاع 14 مليون شيكل تعويضات لعملاء يدّعون أنهم تعرضوا للتعذيب في سجون السلطة الفلسطينية.
نتنياهو كافأ ترامب بزرع مستوطنة في قلب الجولان السوري المُحتل أسماها تلّة ترامب، تقديراً له على قراره بإعلان ضم الجولان السوري لدولة الاحتلال الصهيوني، وسبق ذلك مكافأته ليس لدوره فقط في المشاركة في الحرب مباشرة على شعبنا الفلسطيني إلى جانب دولة الاحتلال، بل بالسعي لإطلاق اسمه على شارع صلاح الدين الشهير في مدينة القدس، لأنه نقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس واعترف بها عاصمة لدولة الاحتلال.
بالنسبة للمتصهين فريدمان، فيبدو بأنّ مكافأته ستكون أكبر بكثير على خدماته الجليلة للحركة الصهيونية ودولة الاحتلال، وهي لن تقتصر على تكريمه بأنه رجل "سلام" من الطراز الأول..؟؟، فقد يجري ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام على جهوده، فالجوائز هي الأخرى يجري تسييسها، وهي لا تُمنح على أساس الكفاءة والإنجاز أو ما يُقدّمه الفرد من خدمات جليلة للإنسانية والبشرية جمعاء، بل في ظل هيمنة الرأسمالية المتعولمة على القرار الدولي، فالجوائز تُمنح استناداً إلى خدمة الشخص للمشروع والمؤسسة الرأسمالية وأهدافها، ولذلك فريدمان المتصهين قد يكون واحد من المرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام، وخاصة عن دوره في فتح نفق أسفل بلدة سلوان بواسطة مطرقة حديدية ثقيلة، فتح نفق في منطقة ليس فقط تعتبر محتلة وفق القانون الدولي، بل منطقة أثرية محميّة وفق منظمة " اليونسكو" الدولية، حيث الحفريات ليس فقط ينتج عنها حفر وتشقّقات وتصدعات في جدران البيوت والمنشآت وأرضيات الشوارع في تلك المنطقة، بل ضياع تلك الآثار وتدميرها، ومحو أي معلم من معالم الوجود والتاريخ العربي الإسلامي في تلك المنطقة.
نعم البلطجة الأمريكية تبلغ ذروتها، فعندما يقوم كوشنر بعقد ورشة اقتصادية في المنامة يُسميها "الازدهار من أجل السلام"، فلا نعرف عن أي ازدهار يتحدث، وهو يعلم علم اليقين بأنه لا ازدهار في ظل احتلال يُحاصر شعبنا في الضفة والقطاع ويمنعه من حقه في الحصول على دولته المستقلة وعودة لاجئيه إلى ديارهم التي شُرّدوا منها، والمتصهينين فريدمان وغرينبلات عندما يُشاركان في افتتاح نفق أسفل البلدة القديمة، فهم يُعلنون بأنّ دولتهم تريد تكريس احتلال القدس وبأنها عاصمة لدولة الاحتلال، وكوشنر قالها بشكل واضح وهو يحاضر في "طلابه" من قادة النظام الرسمي العربي المنهار في المنامة "اسرائيل دولة ذات سيادة ومن حقها تحديد عاصمتها بأن تكون القدس"، والعربان لا يشعرون بخجلهم وذلهم وعارهم، وبأنّ القدس بكل ما تحمله من معاني حضارية وتاريخية ودينية ووطنية لا تعني لهم شيئاً.
ونحن نقول للعربان وقادة النظام الرسمي العربي المتعفن، كما قال الشاعر العربي العراقي الكبير مظفر النواب " كيف يحتاج دم بهذا الوضوح، إلى معجم طبقي لكي نفهمه."
ألم يصبح الوقت وكل هذا الانكشاف لدور أمريكا وشراكتها في عدوانها مع دولة الاحتلال على شعبنا وأمّتنا العربية كافياً لكي تصحو هذه الأمة وتعيد للصراع أسسه وقواعده، صراع "عربي- اسرائيلي" جوهره القضية الفلسطينية، وتعيد للبوصلة اتجاها نحو فلسطين والقدس؟؟؟.

