تعمل «إسرائيل» منذ إنشاء كيانها حتى اللحظة وفق قاعدتين، الأولى: «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، والثانية: «ما لا يمكنك أخذه بالقوة ستأخذه بمزيد من القوة»، القاعدة الثالثة التي تستكمل القاعدتين الأوليين: «إخفاء الأدلة يعني أنك لم ترتكب الجريمة».
بالفعل، هي قواعد ساذجة في حقيقتها ولا يعمل بموجبها إلا الذين لا يرون سوى مساحات ضيقة في مجال رؤاهم، فالجرائم عموماً مهما حاول مرتكبوها إخفاءها ستكشف ولو بعد حين.
الجرائم الصهيونية، بما فيها المذابح، ارتكبت ضد بشر رأوها بأم أعينهم وشواهدها موجودة، وبين الفترة والأخرى تتكشف تفاصيل جرائم ومذابح صهيونية جديدة يتم الإعلان عنها.
ندرك تماماً أن دويلة الكيان، منذ قبيل إنشائها وبعده، تحاول إتلاف أدلة موبقاتها ضد شعبنا وأمتنا، لكن الحقيقة بالمرصاد للكذب «الإسرائيلي»، فمن حيث لا يعلم تتكشف الحقائق رغماً عن إرادة العدو.
نشرت صحيفة «هآرتس» في 5 يوليو/تموز الحالي، تقريراً قالت فيه: «إن طواقم سرية تابعة لوزارة الأمن «الإسرائيلية»، تقوم منذ مطلع العقد الحالي بإجراءات مسح شامل لأرشيفات في أنحاء البلاد وتقوم بإخفاء وثائق تاريخية، خاصة تلك المتعلقة بأحداث وقعت أثناء النكبة عام 1948، وكذلك وثائق متعلقة بالبرنامج النووي «الإسرائيلي» في إطار عملية منهجية لطمس أدلة على النكبة».
وأكد التقرير أن هذه الطواقم تنقل الوثائق وتحتجزها في خزنات خاصة، وأن المسؤول عن حملة إخفاء هذه الوثائق هو جهاز سري داخل جهاز الأمن «الإسرائيلي»، الذي تعتبر نشاطاته وميزانيته سرية.
وأخفى أفراد الجهاز، وثائق تحتوي على شهادات جنرالات في الجيش «الإسرائيلي» حول قتل فلسطينيين وهدم قرى، وكذلك وثائق متعلقة بتهجير البدو.
أيضاً، قال مديرو أرشيفات، أن أفراد الجهاز الأمني تعاملوا مع الوثائق كأنها ملكيتهم وأحياناً هددوا المديرين.
ولا يخفي الجهاز حملة طمس التاريخ هذه، فقد اعترف يحيئيل حوريف، رئيس الجهاز طوال عشرين عاماً، والذي أنهى مهامه في العام 2007 أنه هو الذي أخرج هذه الحملة إلى حيز التنفيذ وأنها متواصلة حتى يومنا هذا.
وأضاف في حديث للصحيفة: «أن ثمة منطقاً في إخفاء أحداث العام 1948 لأن كشفها من شأنه أن يؤدي إلى غليان لدى السكان العرب».
وحول إخفاء وثائق بعد أن تم نشرها في الماضي، اعتبر حوريف، أن غاية ذلك «تقويض مصداقية أبحاث حول تاريخ قضية اللاجئين»، وأضاف أن «الحكم على ادعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده».
للعلم، قبل سنوات قليلة، عثرت المؤرخة تمار نوفيك على وثيقة في أرشيف «يد يعري» في كيبوتس «غفعات حبيبا» التابع لحزب مبام، وتحدثت الوثيقة عن مجزرة ارتكبها الجيش «الإسرائيلي» بحق سكان قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل، والتي احتلت خلال عملية «حيرام» في نهاية العام 1948.
وقالت الوثيقة: «صفصاف»- لقد أمسكوا ب52 رجلاً، قيدوهم الواحد بالآخر، حفروا بئراً وأطلقوا النار عليهم. 10 منهم كانوا ينازعون الموت. جاءت نساء، طلبن الرحمة ولم يسمع لهن. لقد وجدوا جثث 6 مسنين. وجرت 3 حالات اغتصاب. واحدة منها شرقي صفد بحق فتاة عمرها 14 عاماً فقط. 4 رجال أطلقوا النار عليهم وقتلوهم. لقد قطعوا أصابع أحدهم بسكين كي يأخذوا الخاتم. بعد ذلك يصف كاتب الوثيقة سلسلة من المجازر وعمليات النهب والتنكيل.
يشار إلى أنه تعالت اتهامات في الماضي، بأن اللواء 7 في الجيش «الإسرائيلي»، ارتكب جرائم حرب في الصفصاف. والوثيقة التي عثرت عليها نوفيك من شأنها أن تدعم هذه الاتهامات، كما أن هذه الوثيقة تشكل دليلا آخر على أن القيادة السياسية «الإسرائيلية» في حينه كانت على علم بالمجازر.
أيضاً، وفي سياق محاولتها معرفة تفاصيل حول الوثيقة وكاتبها، التقت نوفيك مع المؤرخ بيني موريس، الذي نشر كتباً حول المجازر إبان النكبة ونشوء قضية اللاجئين.
وتبين أن موريس اطلع على وثيقة مشابهة للغاية وموجودة في أرشيف «يد يعري»، لكن عندما عادت نوفيك إلى الأرشيف من أجل الاطلاع على الوثيقة الثانية، فوجئت بأنها غير موجودة. وعندما سألت عن سبب اختفائها قيل لها إن الوثيقة أدخلت إلى خزنة بأمر من مسؤولين في وزارة الأمن، وقال موريس إنه اطلع على وثيقة للجيش «الإسرائيلي»، تتعلق بمجزرة دير ياسين، لكن عندما عاد لاحقاً طالباً الاطلاع عليها مجدداً، تبين له أنها سرية ولا يمكن الاطلاع عليها.
التهجير إحدى أهم الوثائق التي أخفاها المسؤول عن الأمن في وزارة الأمن، كتبها ضابط في «خدمة المعلومات» أي جهاز قبل «النكبة»واستمر بعدها، هذه هي ديمقراطية «إسرائيل»!.

