في بداياته الأولى تكون وعيه على قاعدة أن الفلسطيني إن لم يكن فدائيًا فهويته ناقصة، بل مجهولة. فهم باكرًا مسؤوليته التاريخية فشعر بحريته، ومارسها بكل تفاصيلها، فعاش فرحة النضال رغم قساوته. ضحك من قلبه في لحظات الموت وانغمس بكل ما فيه بفرح المعارك التي خاضها في السجون وفي الاجتماعات الحزبية وبمعارك التنظيم الداخلية والخارجية. تنافس في المرتبات الحزبية بشرف بادر ولم يتواكل، ضحى ولم ينتظر مردودًا .. عاش حلمًا وشعر بكل تضحية أنه يساهم في بناء لبنة صغيرة فيه.. وانتظره ليكتمل.
تغير الزمن، وتغيرت المعادلات، وتبدل رفاق الخلية، واستبدلوا الحزب بمؤسسة غير حكومية، أطلقوا عليها اسمًا مرتبطًا بالوطن.. تارة بالأرض، وتارة بالشباب، وتارة بالنساء. وأصبحت الأدبيات غير ما عرفه من كلمات غسان كنفاني ورسومات ناجي العلي، صارت أم سعد نسوية تكتب بروبوزال لتمويل مشاريع التمكين الجندرية، وأضحى حنظلة يتنقل بين ورشات القيادات الشابة في قاعات التدريب.
قالوا له هذا شكل جديد للنضال، فمارس ما تعلمته سابقًا فيه. لم يقتنع ولكنه حاول. اقنع نفسه أنها أمارة بالسوء، وعاشقة للتعب، فحارب نزعاتها كي لا يبقى في الماضي.. فانغمس أكثر بالنضال الجديد.. صار غريبًا لا هو ما كان ولم يعد كما أراد .. يحيطه أناس جدد، لهجتهم بين العربية والأجنبية، مصطلحاتهم لا يفهمها.
اهتماماتهم "ونضالاتهم" وأهدافهم تتحدث عن ذات الناس الذين ناضل من أجلهم، ولكنها لا تفيدهم، فحالهم زاد بؤسًا، وعدوهم أثخن فيهم، وإيمانهم بحقهم تزعزع، واستعدادهم للتضحية تلاشى.. أصبحوا يبررون ما كان خيانة في ماضي الزمن. ووقفوا طوابير على أبواب الوكلاء يبحثون عن "تنظيف" ملفاتهم علهم ينالون شهادة اللاوطنية بتصريح عمل ... استمر مكابرًا عله يكتشف أن ما يراه ليس صحيحًا.. أو أن نفسه الأمارة بالسوء تشتاق لماض قديم فتشده إليه.
عاد يقرأ غسان كنفاني من جديد ليعيد لذاته ذاته، فوقع على "رجال في الشمس" .. هو يحفظ الرواية ويعرف كل تفصيل فيها، فذهب سريعًا حيث وصف أبي الخيزران.. هناك تأمله كأنه يراه أمامه.. تجسد في كثيرين ممن يعرفهم .. خصي مهزوم ومكابر، مدع لمعرفة الطريق بلا منازع .. نزق لا يرى غير رأيه صوابًا.
كيف تكاثر أبو الخيزران دون أن نرى تكاثره؟ قال لنفسه. كيف أصبح هذا المقيت بهذا العدد ولم ننتبه له. كان معنا في الحزب وفي السجن وفي المسيرة. كان معنا في المواجهات وفي الجامعة. أبو الخيزران والمختار الذي أهانه سعد. وحتى دوف المتروك في حيفا تكاثروا معًا ويجلسون في كل مكان، رابعهم ذاك المتكرش الذي رجمه حنظلة ابن فاطمة وصابر.. كلهم اجتمعوا من جديد.
أغلق الرواية وفكر، حتى لمع في رأسه أبو صالح الأسدي يقف في مغارة باب الشمس رافعًا بندقيته وثيابه مزقها سلك الحدود العربية وأدماها سلك الحدود المحتلة، وكان يصيح .. "من الأول.. من الأول "....

