لكي نفهم ما يجري... أولا لنهدأ... ثم لنحرر العقل من القيود والكوابح وضيق الأفق، لنفكر جيدا، لنطلق العنان للمخيال السياسي الاستراتيجي.. هذا هو الشرط لكي نتخذ موقفا علميا ووطنيا أين نقف.
بعيدا عن خطاب الهبوط وفلسفة العقول المحدودة، بعيدا عن الإسقاطات المضحكة حول المواجهة بين "السنة والشيعة، إيران والعرب"، ما يحدث الآن في المنطقة هو مواجهة استراتيجية كبرى، هي تتويج لديناميات الصراع االعالمي الذي اتخذ منحى تصاعديا دراميا منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي.
- قبيل بدء الأحداث في سورية وتحديدا في عام 2004 أطلـقَ الرئيس السوري بشار الأسد رؤيته الخاصة لمشروع "البحار الخمسة.
"رؤية البحار الخمسة" كانت ترمز إلى أن سورية ستتحول لتصبح مركزاً لاستقرار المنطقة حيث تقوم رؤية هذه السياسة على شبكة عمليات كلها تعمل من خلال سورية لنقل النفط والغاز، والسلع، والقوى العاملة، والأفكار، وربط القوقاز في الشمال مع دول الخليج العربي في الجنوب، وإيران في الشرق، وأوروبا في الغرب بشكل جماعي. وإذا ارتبطت هذه البلدان عن طريق سورية، فإنها تصبح كتلة بشرية لا يقلّ تعدادها عن 288 مليون نسمة، وهو رقم ربما لا يُهزم ولا يمكن تجاهله اليوم.
هذه المنظومة الجغرافية التي يحدها كل من بحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي/الفارسي تضم أكثر من 90 % من الطاقة في العالم فضلاً عن المناخ الأكثر اعتدالاً والحضارة التاريخية الأرسخ جذوراً، إضافة لكونها ممر حالي ومستقبلي لأهم أنابيب الغاز فضلاً عن كونها خط التماس بين الشرق والغرب في وسط العالم.
- في هذا السياق من الضروري أيضا إعادة التذكير بالتحذير الذي أطلقه الرئيس بشار الأسد في بداية الأحداث في سورية حين قال: حذار من العبث سورية لأنه يشبه العبث بالصفائح التكتونية التي تقع على خط الزلازل العالمي وأي عبث بها سيكون له ارتدادات كبرى في كل الإقليم والعالم.
في الأشهر الماضية شهدت منطقة الخليج الرقص على حافة الهاوية، تفجير الناقلات في بحر عمان، الهجوم اليمني بالطائرات المسيرة على شركة أرامكو وخطوط النفط السعودي إلى ينبع، الهجمات الواسعة على مطار جيزان وأبها السعوديين وغيرهما من أهداف في العمق السعودي، إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية المتطورة، ثم احتجاز بريطانيا وبإراء وتوريط ربما من الولايات المتحدة الأمريكية لناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق، ثم الرد الإيراني المحكم بالسيطرة على ناقلة النفط البريطانية في مضيق هرمز...
- لقد كان الصراع على الملف النووي الإيراني الذي تقوده الولايات المتحدة التي انسحبت منه من جانب واحد رغم أنه اتفاق دولي تم توقيعه في مجلس الأمن الدولي هو مجرد عنوان وذريعة.. ولكن في خلفية الملف تتبدى وتنتظم الأحلاف والتكتلات في الخليج وبحر العرب وبقية مناطق الإقليم، من إيران إلى اليمن الى العراق وسورية ولبنان وفلسطين وبدعم روسي صيني متعدد الأوجه والمسارات… في حقل الاشتباك الأستراتيجي هذا يصطف حلفان أو تكتلان عالميان:
الأول: إيران بما تمثله من جغرافيا وقوة بشرية وإرادة سياسية وقوة عسكرية ومعها حلف المقاومة، بدعم روسي صيني متعدد الأوجه والمسارات…
الثاني: الولايات المتحدة الاميركية، مدعومة من حلف شمال الأطلسي ومن الأنظمة العربية التابعة في جزيرة العرب، الى جانب إسرائيل طبعاً.
- في سياق هذا الاشتباك الأستراتيجي تمتد ساحات المواجهة، لتشمل "وسط آسيا أو بحر الصين أو منطقة البحر الأسود/ أوكرانيا. وكذلك هو الوضع في منطقة بحر البلطيق/ شمال غرب روسيا، حيث يستمرّ تحشيد قوات كبيرة لحلف الناتو بالقرب من الحدود الروسية الشمالية الغربية/ أيّ بالقرب من مدينة لينينغراد ذات الرمزية التاريخية والوطنية الكبرى في روسيا خضعت لحصار الجيوش الألمانية لمدة 900 يوم دون أن تستسلم .
يتمثل الجانب الاستراتيجي، في المعركة الدائرة حالياً، في التصدي لمحاولات الولايات المتحدة السيطرة، ليس فقط على منابع النفط الموجودة في الجزيرة العربية وإيران بهدف التحكم في إمدادات الطاقة للأسواق الصينية والباكستانية وأسواق دول شرق آسيا لإبطاء نمو اقتصاديات هذه الدول وإضعاف قدرتها على منافسة الولايات المتحدة، على الصعيد الدولي، وانما تتعدّى الأهداف الأميركية كلّ ذلك، حيث انّ طبيعة هذه المواجهة تشمل قبل كلّ شيء الجوانب الاقتصادية الدولية. وبكلام أكثر وضوحاً فإنّ واشنطن ودول الناتو يحاولون السيطرة على منطقة المواجهة الحاليّة، الممتدة من سواحل فلسطين المحتلة غرباً وحتى سواحل الصين وروسيا الشرقية على المحيط الهادئ.
اما كلمة سر هذا الجانب الاستراتيجي فهي: مشروع الطريق والحزام الصيني، ذو الطابع الدولي والعابر للقارات، الذي سيكرّس إنهاء السيطرة الاقتصادية والمالية الأميركية على مقدرات شعوب العالم.
لا شك بأن الولايات المتحدة لديها قوة عسكرية هائلة ، لكنها قوة محكومة بحدود الاستخدام الممكن. وأخطرها الرغبة والأرادة في خوض حرب يراد لها أن تكون محدودة ولكنها قد تدحرج بسهولة إلى حرب شاملة، الأمر الذي لا قدرة للولايات المتحدة الأميركية على المغامرة به، إذ انّ مثل هكذا تطوّر سيحتاج الى نشر ما لا يقلّ عن 750 ألف جندي أميركي/ أطلسي في منطقة العمليات إيران والعراق وسورية، بالأضافة إلى ما يمكن أن تشكله من تهديد وجودي لإسرائيل" ((محمد صادق الحسيني – صحيفة البناء اللبنانية – 22 تموز 2019). - هنا في قلب هذه المواجهة تقيم فلسطين كقضية وحق ودور، لهذا كان من الضروري بالنسبة لإمريكا ولكي توجه كل طاقتها وجهودها وحلفائها نحو المواجهة الاستراتيجية كان من الضروري تبريد وتصفية ملف قضية فلسطين، لهذا أطلقت عملية ما يسمى "صفقة القرن" في محاولة لإلهاء العربان وخداع الرأي العام العالمي.
- هذه المواجهة الإستراتيجية بكل أبعادها وتشابكاتها ودينامياتها تتجاوز ثرثرات وبؤس أبقار الخليج الحلوب، كما تتجاوز هلوسات أيديولوجيا التخلف وتبرير التطبيع مع الإحتلال الإسرائيلي، كما تتجاوز كل فتاوي التحريض الطائفي المهين والساذج ، ذلك لأنها مواجهة كبرى تنتظم فيها الجغرافيا والتاريخ والقوى البشرية والاقتصادية والعسكرية والممرات المائية الاستراتيجية، وحروب النفط والغاز والأسواق والنظم المالية العالمية والقوة التكنولوجية والفضائية.
في ضوء كل هذا فإن القارئ الموضوعي لمسرح العمليات "يخرج بنتيجة لا تقبل الشك ألا وهي:
انّ الطرف الأقوى في المواجهة سيكون بالتأكيد ذلك الطرف الذي تقاتل معه الجغرافيا والإرث الحضاري إلى جانب المقدرات الكبرى عسكريا لقوى محور المقاومة والدعم الروسي الصيني الإستراتيجي" (محمد صادق الحسيني – المصدر السابق).

