Menu

انهيار روايات نشوء «إسرائيل» القديمة

أحمد الدَبَشْ

خاص بوابة الهدف

يتفق معظم علماء الآثار التوراتيين، ويساندهم في ذلك السادة حراس وأصحاب الفكر الآسن في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، على أن نشوء «إسرائيل» القديمة في بلادنا فلسطين تم نحو 1200 ق.م، وهي الفترة الانتقالية الواقعة بين أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي. وتلك هي الفترة التي يطلق عليها عادة فترة «النشوء»، أو «أصول» «إسرائيل». وهي الفترة التي يفترض أن تكون إسرائيل (المزعومة) تلك قد سيطرت فيها على فلسطين. لكنهم يختلفون اختلافاً حاداً حول الكيفية التي تمت لهم السيطرة على تلك البلاد.

 فالجدل المتعلق بجذور ونشوء «إسرائيل» القديمة يصور عموماً كأنه نقاش حول ثلاثة نماذج أو فرضيات نلخصها على النحو التالي:

  1.  قدمت «المدرسة الأمريكية «ممثلة بـكل من: وليم أُلبرايت (1935 ــ 1939 م)،
    وج. إرنست رَايت (1962 م)، وجُون برايت (1956 ــ 1981 م)، ومول لب، التي انضم إليها بعض الباحثين الإسرائيليين أمثال أهاروني (1979 م)، وملامات (1979 ــ 1982)، ويادين (1979 ــ 1982م): حججًا قاطعة بأن الدليل الأثري عزز »نظرية الغزو« (أي رواية العهد القديم)، لكن هذه النظرية لا تأخذ بعين الاعتبار التحليلات النقدية لأسفار التوراة منذ عصر التنوير. وتفتقر إلى دليل آثاري. ومن الجدير بالذكر أن توماس طومسن، وزملاء أخرين له، يتفقون على رفض فرضية الغزو ويضيفون القول: إن معاينات عالم الآثار »الإسرائيلي« فنكلشتاين (الآثارية) توضح بشكل كامل أن نظرية الغزو ميتة... وللأسباب التالية: العديد من المواقع لم تكن مأهولة في فترة نهاية العصر البرونزي المتأخر؛ العديد من المواقع هجرت في نهاية تلك الفترة الزمنية لكنها لم تتعرض للتدمير. العديد من المواقع العائدة للعصر البرونزي استمرت قائمة في العصر الحديدي الأول، وتلك المواقع العائدة للعصر البرونزي المتأخر التي لم تظهر فيها آثار تدمير، كانت مهجورة لفترة طويلة بعد الدمار الذي لحق بها سكنها الناس مجدداً. أكثر من ذلك، وجد علماء الآثار أنه من الصعوبة بمكان، التحقق من خلال طبقات متجمعة، تحدد بشكل مميز وجود بني إسرئيل في العصر الحديدي الأول.
  2.  قدمت »المدرسة الألمانية« في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، بوساطة ألبرشت، وألت (1953م)، ومارتن نوث (1960)، ومانفرد فايبرت (1971 ــ 1979). نموذج »التغلغل القبلي« الذي كان نتيجة »عملية تسلل إلى فلسطين«، لكن هذه النظرية لا تشرح كيفية سقوط المدن الكنعانية.
  3.  يشترك النموذجان» الألماني والأمريكي« في الرأي القائل: إن دخولاً واسع النطاق لشعب (أطلق عليه لاحقًا بنو إسرئيل) عند بداية العصر الحديدي، إلى المناطق الجبلية في فلسطين، سواء من خلال التغلغل القبلي السلمي نسبيًا »النموذج الألماني« أو من خلال الغزو »النموذج الأمريكي«. ومثله كل من: جورج مندنهول، ونورمان غوتفالد، وكورنليس دي غويس: يرون أن ذلك تم عبر »إعادة تنظيم اجتماعي«، أي »غزو وتسلل وتمرد«. لكن هذه النظرية غير قادرة على تقديم شروح كافية لسبب حدوث مثل هذه التطورات.  

وفي الوقت نفسه أخفقت كل هذه النظريات في أن تأخذ بعين الاعتبار المكتشفات الآثارية الأخيرة. هنا نرى أن العالم يتقدم بنظرية رابعة أطلق عليها اسم »افتراضية التعيش المتكافل«، والتي تشبه إلى حد كبير نظرية التسلل.

يساهم تطوران حديثان في تقويم يقضي بأن كل واحد من النماذج الثلاثة هو تلفيق بدلاً من
أن يكون وصفًا لماضٍ قديم. أولاً: يلقي النقد الأدبي والمرجعي لأسفار الشريعة الخمسة ولما
يطلق عليه: التاريخ التثنوي، من التكوين إلى الملوك الثاني، ظلالاً خطيرة من الشك على صحة
استخدام هذه التقاليد المتأخرة في بناء تاريخ جديد لماض مبكر جدًا.  ثانيًا: تصطدم المعطيات
الأثرية المجتمعة من حفريات الموقع الواحد والمسح المناطقي، بمزاعم القصة الكتابية.

في هذا السياق، يقول العلاًمة كيث وايتلام، في كتابه »تلفيق إسرائيل التوراتية، طمس التاريخ الفلسطيني«، على الفرضيات الثلاث السائدة بالقول: «لقد برهنت أنَّ تغيرُّ منظور قراءة الكتاب العبري، الذي أثار عدة تساؤلات حول الفرضيات التاريخية النقدية السائدة واستخدام الموروث الكتابي من أجل إعادة البناء التاريخي، بالإضافة إلى تراكم المعطيات الآثارية من حفريات موقع واحد، وعمليات المسح الإقليمية لفلسطين، قد بينت كلها أن هذه الأنماط والنظريات المتنوعة ليست. أكثر من اختلاقات لماض متخيل. والعجز المتزايد للتركيبات الأساسية الثلاث للأصول الإسرائيلية عن التعامل مع الكم المتزايد من الأدلة، بالإضافة إلى التقليل من مغزى ما تعتبره نصاً يلقي المزيد من الضوء على المدى الذي تم فيه اختراع إسرائيل».

هكذا، وبعد هذا الفشل الذريع في العثور على أقل دليل يثبت هذه النظريات، وأمام إنهيار الرواية التاريخية التوراتية، أراد عالم الآثار «الإسرائيلي» فنكلشتاين، إنقاذ ما تبقي من سمعة الرواية التاريخية التوراتية، فذهب في كتابه «أركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي»، المنشور عام 1986، إلى: «أن المواقع الجديدة في الهضاب المركزية هي بالفعل مواقع «إسرائيلية»، ولكن من شكلوها لم يأتوا من خارج فلسطين بل من داخلها».

وقد فسَّر إسرائيل فنكلشتاين، ونيل اشر سيلبرمان، هذه النظرية في كتابهما «التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها» بالقول: أن بروز «إسرائيل» المُبكِّرة كان نتيجة لانهيار الثقافة الكنعانية، وليس سبباً له. وأغلب «الإسرائيليين» لم يأتوا من خارج كنعان ــ بل ظهروا من داخلها ــ. ولم يكن هناك خُروج جماعي من مصر، بل لم يكن هناك غزو وفتح عنيف لكنعان. وأغلب الذين شكَّلوا «الإسرائيليين» الأوائل كانوا أناساً محليين ــ نفس الناس الذين نراهم في المرتفعات طُول فترة العصرَيْن البرونزي والحديدي ــ. كان «الإسرائيليون» الأوائل ــ من سُخرية السُّخريات ــ أنفسهم ــ أصلاً ــ  كَنْعَانِّيْين.

يقول توماس طومسن، في كتابه «التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي»: أن معيار فنكلشتاين نفسه يبدو تعسفياً تماماً، حتى أن المرء يقاد إلى الشك بصحة عنوان كتاب فنكلشتاين «أركيولوجيا الاستيطان الإسرائيلي» وثقته به. أليس الأولى والأفضل أنه يتعامل مع أركيولوجيا مستوطنات العصر الحديدي الأولى في فلسطين الوسطى، تاركاً للآخرين مسألة أصول إسرائيل؟.  

بذلك يعمل فنكلشتاين على تجذير القبائل الإسرائيلية في المنطقة، ويؤكد على الطابع الإثني المستمر والمتميز لهذه الجماعات، التي شكلت «إسرائيل» فيما بعد.

وبذلك فقد احتوى بناء فنكلشتاين التاريخي لبدايات «إسرائيل»، على أخطاء قليلة هائلة، والناتجة عن تأثره البالغ بالتوراة.   

في وطننا العربي باحثون، يعجبهم أن يأخذوا اجتهادات أصحاب الخطاب التوراتي هذه وكأنها الحقيقة، فها هو ذا الباحث فراس سواح، في كتابه «تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود»، يأتي بنظرية مثيرة للاستغراب، وهي نظرية «التطور الديني المحلي»، والتي تتفق إلى حد بعيد مع نظرية جورج مندنهول، ونورمان غوتفالد، من حيث تركزها على التمايز الديني لسكان المناطق الهضبية عن الوسط الكنعاني، ولكنها تختلف معها بإسقاطها لعنصر الانتفاضة الداخلية.

لم يقدم السواح، دليلاً تاريخيًا مقنعاً على وجود التمايز الديني. فهذه النظرية التي تبناها باحث عربي شهير، لا تعدو أن تكون بديلاً عن متطلبات أكثر تفاهة دون تقديم دليل وحيد مطلوب من خلال تاريخ علمي حقيقي.

قلنا إن النظريات السائدة حول الكيفية المفترضة لنشوء «إسرائيل القديمة» في بلادنا فلسطين انهارت بمجرد عرضها على المكتشفات الآثارية التي أوضحت «عدم وجود أي قطيعة ثقافية بين العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي».

بناءً على كل ما سقناه آنفاً نتوصل إلى نتيجة واحدة، وهي أن الفترة الانتقالية وعصر الحديد الأول، لم يشهد وصول جماعات معروفة بـ «الإسرائيلية» إلى بلادنا فلسطين. وإن مسألة الإثنية، برمتها، في السجلات الإركيولوجية، لا مبرر لها.

في السنوات الأخيرة، ألقيت ظلال من الشك العميق على إمكانية كتابة تاريخ لـ «إسرائيل» استناداً إلى روايات التوراة، ووصل بعض المؤرخين إلى حد التشكيك من حيث المبدأ، بإمكانية كتابة تاريخ من هذا النوع. فالبحث عن تاريخ «إسرائيل» ما زال غامضاً كما كان دوماً. وأي محاولة للتوفيق بين البينات التوراتية وغير التوراتية إثباتاً لتاريخانية «إسرائيل»، سرعان ما دخلت مرحلة الانهيار، التي ما زالت متواصلة حتى اليوم. ومن أبرز رواد هذا الاتجاه البروفيسور توماس طومسن، وكيث وايتلام، وزئيف هرتسوغ، ونيل سبلرمن، وإسرائيل فينكلشتاين، وغيرهم.

وهكذا، فـ «أن صورة ماضي إسرائيل، كما وردت في معظم فصول الكتاب العبري، ليست إلا قصة خيالية، أي تلفيق للتاريخ».