Menu

نسخة ترامب البريطانية

د.فايز رشيد

بنجاح بوريس جونسون في تزعُّم حزب المحافظين البريطاني، وتكليفه تشكيل الحكومة، نكون أمام ترامب آخر في أوروبا! فالزعيمان متشابهان شكلاً وأفكاراً وتأييداً لدويلة الاحتلال «الإسرائيلي». لكلّ ذلك، فإن أكثر المتحمسين لفوز جونسون كان الرئيس الأمريكي الذي عبّر عن فرحه الشديد بفوزه مباشرةً بُعَيد إعلان انتخابه خلفاً ل «تيريزا ماي» التي استقالت رسمياً من منصبها في وقت سابق من شهر يونيو / حزيران. وفي أول تصريح له عقب اختياره، تعهد جونسون بتحقيق الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست» قبل ال 31 من أكتوبر / تشرين الأول المقبل، وذلك بسبب الأزمة السياسية في البلد حول اتفاق الخروج، وتوحيد المملكة، وهزيمة زعيم حزب العمال جيرمي كوربين. 

توقع الرئيس ترامب أن يكون جونسون «رئيس وزراء عظيماً لبريطانيا»، في تصريح عكسَ ضمن أمور أخرى ارتياح ساكن البيت الأبيض لنجاحه في البلد الحليف الأقرب لواشنطن منذ انهيار الإمبراطورية البريطانية، وملء الولايات المتحدة الفراغ الذي نتج عن انهيار الإمبراطوريتين الاستعماريتين القديمتين الفرنسية والبريطانية، بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.

بوريس جونسون، مثلما هو معروف، من أكبر المؤيدين ل «إسرائيل»، فقد سبق له أن وصف نفسه عام 1984 عندما تطوّع وشقيقته للعمل في كيبوتس «كفار هنسي» في الجليل الفلسطيني بأنه تطوّع «من أجل الله»، مفتخراً بأنه صهيوني متحمس، وداعم ل «إسرائيل» ومؤمن بحقها في الوجود. فهي بلد غير عادي من وجهة نظره، ولها هدف «أخلاقي» لا يتزعزع بتوفير وطن آمن «لِلمضطَهدين». وعبّر عن احترامه وإعجابه الشديد (بالدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط - «إسرائيل»). وإذ يلتقي ترامب ونسخته البريطانية الجديدة في كثير من السياسات والأهداف الشعبوية ك «زعيمَين أبيضَين»، خصوصاً كرههما للمهاجرين، وتحديداً للمسلمين والملوّنين، وتستبد بهما الإسلاموفوبيا، فإن ما يرومانه الآن وقد وُضِع على جدول أعمالهما وفي شكل عاجِل، حالة التوتر القصوى التي تستبد بالمنطقة، وحرب الناقلات المحتدمة وقرع طبول الحرب فيها وعلى تخومها، واقتراب موعد الإعلان عن «صفقة القرن» في ظل تصريحات عنصرية صاخِبة لم تخفت أصداؤها بعد أن أدلى بها الرئيس الأمريكي ضد أربع عضوات في الكونجرس من الحزب الديمقراطي، عندما طلب منهن «العودة إلى بلادهن الأصلية التي يعم فيها الفساد»، متسائلاً: «لماذا لا يَعُدنَ ويساعِدن في إصلاح الأماكن الفاشلة التي أتين منها، حيث تتفشى الفوضى»؟وكان ترامب كان قد طالبهن بالاعتذار لأمريكا و«إسرائيل» بسبب «الأمور الفظيعة والكريهة» التي قُلْنَها بحق البلدين. ترامب لم يعتذر على الرغم من الحملات المُضادة والشاجبة لعنصريته، والتي شملت الداخل الأمريكي والعالم وقادة دول حليفة لبلاده.

كتب جونسون في مُقدّمة جديدة لروايته بعنوان «72 عذراء»: «أن الإسلام هو سبب تخلّف المسلمين ودولهم لقرون». وتحت عنوان «سنوات المهرج» نشرت صحيفة «الغارديان (في ال 24 من يوليو / تموز الحالي) افتتاحية حول انتخابه، قائلة: «أخيراً حصل حزب المحافظين على الزعيم الذي يستحقه! فكرئيس وزراء جديد لبريطانيا لن يستطيع بوريس جونسون تجاوز الحقائق المملة، أو التخفي من التغطية الإعلامية السيئة، فهو متبجح، ويصلح لأن يكون مهرّجاً في سيرك وليس كرئيس وزراء». واستطردت: «إن حرق الجسور مع أوروبا هو فعل تخريبي، وليس خليقاً برجل دولة»، مضيفة: إن «النازية كانت أيديولوجية أوروبية، فيما كان الرايخ الثالث محاولة للسيطرة على أوروبا»، ولقد صدرت من جونسون تصريحات سخيفة كهذه، عندما كان يخوض حملة الخروج من أوروبا عام 2016. 

لكل ذلك، ربما لن تطول فترة بقاء جونسون في منصبه (مثلما تتوقع «الغارديان») بسبب ضخامة حجم المُعارضة التي يُواجهها داخِل حزبه وفي البرلمان، وإعلان 15 وزيراً عزمهم الاستِقالة. 

وحتى في الاتحاد الأوروبي الذي يرفض الدخول في أي مفاوضات جديدة حول اتفاق الخروج، ومن المحتمل أن يكون جونسون الخاسر الأكبر. ولكن ومهما كانت مدّة بقائه في منصبه، فإنها كفيلة وبحُكم قربه من ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون ومن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني، بتصعيد حدّة التوتر في منطقة الخليج والشرق الأوسط. فجونسون جاهِل بالحقائق على الأرض في الشرق الأوسط وتعقيداته، ومتطرّف في موقفه إلى أقصى الحدود، ثم لا يمكن المراهنة عليه نظراً لنزقه وقصرِ نظره في الشؤون السياسية، كما تقول الصحف البريطانية.