Menu

في معنى العبودية الجديدة في ظل نظام رأس المال

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

إن الرأسمالية رغم البهرج الخلاب لدعايتها الزائفة حول التقدم الحقوقي والرقي الحضاري لم تفعل في النهاية غير إدخال ترتيباتها الخاصة على معادلات التوحش الإنساني...  فأصبح المال في ظلها هو المعبود الوثني الجديد، أما الهدف من عبادته فهو لا شيء غير تحقيق اللذائذ والاستزادة منها، فذلك ما فتح الباب على مصراعيه أمام "انفلات المكبوت اللاعقلاني" (كتاب انتحار الحضارة) لدى الإنسان، فلم تعد هناك حواجز تقف في طريقه: ففرد واحد بإمكانه باسم حرية التجارة والصناعة والمضاربة بالمال أن يملك ميزانية أمم بأكملها، أما الفكر فقد سُمح له باسم الحرية الوحشية المسماة (ليبرالية) وباسم الإبداع ! "بلاحدود" أن يصل إلى "السريالية" بل إلى "العبثية"، أما العلم فقد سُمح له في نفس النطاق أن يمس بصورة عشوائية وغير مدروسة من الضوابط والتوازنات الكونية، بل إنه وبغاية تحقيق الأرباح والمغانم دائماً وقعت محاولة منهجية لتحطيم كافة الصروح القيمية التي شيدها الإنسان نضالاً وجهاداً عبر الزمان والمكان... فانتشر الفساد المعرفي والأخلاقي والاقتصادي حاملا معه آفات فتاكة مثل: الرشاوي، والنهب المنظم للمال العام، والإباحية الجنسية، والتسريب الفيروسي المتعمد، وهلاك التوازن البيئي، وتحولت المصارف والبورصات إلى ما يشبه بيوت العبادة التي يقع التولّه فيها بالإله الدنيوي الظافر ألا وهو: المال والذهب.

وهكذا فقد تحول الحلم إلى كابوس وأصبح الإنسان "يرتع" في عبودية جديدويصفق فرحا لأنه:

"في حالة بعد أخرى، وبلد بعد آخر، تسود إملاءات النزعة التجارية على غيرها من الاعتبارات" (بحسب صموئيل هيتنغتون)، فإذا كان هذا هو النصر التاريخي الذي تفتخر الطبقة الرأسمالية بتحقيقه... فيا له في الحقيقة من نصر وحشي مجرم وسخيف!

إن أزمة الحضارة الأوروبية بوصفها الحضارة القائدة على هذا العصر أنها قد تحولت إلى أزمة إنسانية شاملة ولكنها أزمة:  "بمعناها السلبي .. إذ أنها تعني سلب الإنسانية روحها بعد أن تحولت إلى اللهاث وراء وهم الفردوس الأرضي، ووهم السعادة التي تؤمنها العلوم" (هيتنغتون).

أما الفردية: "التي ظلت مفخرة الرأسمالية فقد باتت معزل الإنسان ومجال اختناقه" (هيتنغتون).

ويمكن القول بهذه الصفة إن حال الإنسانية مع استكمال المرحلة العولمية لآخر إرهاصاتها أصبحت حالاً تبعث على الذهول، إن لم نقل على الرثاء... وذلك لأن آليات: الاستغلال،

والهيمنة، والنهب، والحرب، والتفقير، والتجهيل، والتضليل الإعلامي، وتزييف الوعي،

والعنصرية، والتدمير البيئي، والعنف، والاكتئاب، والاغتصاب، والدعارة، والشذوذ، أصبحت تعمل بأقصى سرعة تملكها، ولا وجود لمكابح تكبحها، أو كما قال أوكتافيو باث: "إننا نعيش فترة تدمير، وهناك تفاهة تنساب في كل شيء...  إننا أمام الفراغ نفسه، وليس لدينا شيء لنعمر به هذا الفراغ ولنضعه في مكانه، وبرأيى إن المعنى الحقيقي لمجتمع اليوم هو أنه مجتمع ينقصه المعنى (بحسب ما قول الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث).