أول أمس تم تداول خبر كاذب عنوانه وفاة المناضلة جميلة بوحيرد، وللأسف أن الكثير من الاصدقاء، ومنهم من يتبؤون مواقع مهمة في الحركة الوطنية، والكثيرين الذين يثقون برأيهم سارعوا لنقل الخبر ونشره، ومنهم من ترحم عليها على صفحاتهم، ووضعوا اللايكات لبوستات وفاتها، والبعض وبالرغم من تأكيد أن الخبر كاذب ما زالوا يحتفظون به على صفحاتهم (حتى كتابة هذا المقال)، ولهذا سأتناول ما تم على صفحات الفيس بوك، من حيث أبعاده بالرغم من أنني مدرك أن الجميع كان قد تناول الموضوع، أو نشره بناء على حبه وتقديره للمناضلة جميلة بوحيرد.
البعد الاخلاقي:
المتعارف عليه أن قضية الموت والحياة هي بالأساس قضية فردية تخص أولا وأخيرًا عائلة الفرد، وأن أول من عليه أن يسمح بتناول هذا الموضوع عائلته، كيف يمكن أن تعلن عن وفاة شخص قبل أن تعلن عائلته، خاصة إذا كان كاذبًا أو ملفقًا؟ كيف سيكون وقعه على عائلته وأصدقائه ومحبيه؟ حتى لو كان الأمر يخص شخصية وطنية عامة فإن ما ينطبق على الفرد ينطبق عليها، ويضاف أن مؤسساته الوطنية هي المعنية بعد العائلة لإعلان الوفاة. وفي حالة "بوحيرد" فإن عائلتها ومؤسسات، أي دولتها هي المصدر لإعلان ذلك، وما جرى أول أمس يندرج تحت عدم المسؤولية والاستخفاف في حياة مناضلة من أجل سبق إعلاني وإعلامي، وفي هذه الحالة يكون الإعلان عنه غير أخلاقي.
البعد الفيس بوكي:
إن سرعة انتشار الخبر في الفيس بوك ورواده بدون تدقيق يوضح مدى خطورة هذا المنبر إذا ما استخدم لبث معلومات خاطئة. ويوضح أن حالة الوعي للكثيرين تندرج في إطار رد الفعل المنعكس، أي أن الخبر لا ينتقل إلى الدماغ لقرأته وتدقيقه، بل المخيخ يعطي الأمر حول الخبر هذا يعكس النمطية العامة للتفكير الذي ظهر في حالة خبر وفاة "جميلة". وإذا قسنا عليه وعلى حالات أخرى، فإن المظهر العام الانفعالي وعدم التدقيق هو الذي يسيطر على سلوك الأفراد الفيس بوكيين الذين يشكلون نخبة المجتمع.
في تجربة بافلوف المسمى رد الفعل المنعكس، والذي استند عليه جيفوتسكي في نظريته للمعرفة، وتكونها، وبنائها، وتطورها، فأظهر أن المعرفة مكتسبة من خلال تفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي، وليس مرافقة للفرد، أي لا تولد معه.
إن ما جرى أول أمس هو تعبير واضح أن المعرفة العامة ما زالت في بدائيتها، ولم تتراكم وتتحول إلى معرفة لتنتج ثقافة جمعية تنعكس في سلوك الأفراد.
البعد السلوكي:
إن التعاطي مع الخبر بلا تدقيق واستنادًا لخبر أنزله أحد الموثوقين من قبل جماعته، ومسارعتهم في نشر الخبر بلا أدنى تدقيق، في حين أن البعض الآخر وضع لايك على الخبر بالرغم من معرفته أنه كاذب، يدلل على سلوكيات اجتماعية تبعية سائدة، خاصة إذا حصل هذا من فئة تمثل نخبة اجتماعية وسياسية محددة، يظهر مدى عمق مظاهر التبعية الفكرية، واعتبار أن كل ما يصدر عنها هي صحيحة وصائبة، ولا يترك لنفسه أي حيز من الاستقلالية الفردية التي تعطي حيزًا للتدقيق في الخبر، أو الفكرة.
إن الغاء الطريقة البحثية من التفكير وجعل آخرين يفكرون عن المجموعة هي التي تنتج المصائب السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
البعد الإعلامي:
إذا كانت فئة من النخبة تعاطت مع هذا الخبر ونشرته، وعند سؤالى لبعضهم أين ورد الخبر؟ أشار لصفحات فيس بوكية، ومنهم من لم يكلف نفسه بالبحث عن الخبر ومصداقيته، ومنهم من حذف البوست واعتذر، ومنهم ما زال يحتفظ به، وكأن الذات أكبر من الحقيقة، ومنهم من أضاف على الخبر وأعطاه رتوش لإظهار مدى صلته وقوة مصدره، حيث أورد أن البرلمان الجزائري قرأ الفاتحة على روحها في جلسة خاصة. هذا إمعان في الكذب الذي لن يقبل من أي كان.
ما جرى على صفحات الفيس بوك، يؤكد أنه من السهل استخدامه لترويج معلومات خاطئة وكاذبة، عبر التوريط للبعض بنشرها لإضفاء عدم مصداقية لهم كأفراد واتجاهات، ويعطي انطباع لمراقبي الفيس بوك ومحلليه أن ثقافة التبعية وقلة الوعي ما زالت هي السائدة، وبإمكانهم الاستمرار بالتلاعب بسلوكيات المجتمع عن طريق استمرار بث الأخبار المضللة. هذه الطريقة التي كانت سائدة وتعاظمت وأخذت أشكال مختلفة منذ بداية الاستعمار القديم والجديد، وأظهرت أن هذا المجتمع يأخذ ثقافته عن طريق السمع وليس البحث والتدقيق. نتمنى للمناضلة القديرة الجزائرية كل المحبة والتقدير والعمر المديد.

