Menu

الإنسان هو الإنسان

شريف حمد

الإنسان هو الإنسان أينما وجد، وأيّما اعتقد، وأي تصنيف مغاير يعني العنصرية، والاستهداف، والظلم، والاضطهاد، والاعتداء على حقوقه ومكتسباته، وفي حالتنا الفلسطينية هذا هو سلاح عدونا الفتاك الذي استهدف وما زال يستهدف وعينا الجمعي والفردي، كون صراعنا مع هذا الاحتلال الاستيطاني الإحلالي بمثابة معركة وجود، وهي معركة وعي طويلة الأمد (معركتنا مع العدو الصهيوني طويلة وقد تستغرق مائة عام وأكثر فعلى قصيري النفس التنحي جانبًا، قد نخسر معركتنا العسكرية أو معركتنا السياسية، ولكن لا يجب أن نخسر المعركة الثقافية - الحكيم جورج حبش ). وسينتصر في النهاية وبالضرورة الحق والعدل، إذا ما تملكنا كأصحاب لهذا الحق ممكنات النصر الحتمي (إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر أن نغير المدافعين لا القضية -غسان كنفاني).

وفي السياق هذا، لقد عمد عدونا الصهيوني وبوعي استراتيجي عميق ومتواصل دون كلل أو ملل، إلى تصنيفنا دومًا محاولًا إضعاف قدرتنا على الصمود، مستهدفًا ثقتنا بقوتنا وعدالة قضيتنا وثبات ورسوخ انتمائنا لهويتنا الثقافية والوطنية والجغرافية، فصرنا نتيجة للاستهداف الممنهج مواطن ولاجئ ونازح؛ مخرب ومعتدل ومسالم؛ ابن مخيم ومدني وقروي؛ فلاح وبدوي وحضري؛ أصحاب هوية خضراء وزرقاء وحمراء وأخيرًا برتقالية أيضًا؛ ابن تلك العائلة وابن أخرى؛ ابن سلطة وابن تنظيم ومحايد؛ موظفين ومتقاعدين؛ معطلين وشؤون، وأكثر من ذلك مستحقي كابونة صفراء وآخرين بيضاء، وغيرهم سي اتش أف ومنظمة الغذاء العالمي؛ ونموذج رقم واحد، وعلى المعبر طلاب، ومرضى، وجوازات مصرية، وحملة جنسيات، وصولًا إلى خليلي، ونابلسي، وجنيني، وغزاوي، ومقدسي، وتلحمي... مستخدمًا الاحتلال في ذلك كل ما لديه من امكانيات، معبرًا عن ما في جعبته من عنصرية وإجرام، مرتكبًا بحق شعبنا كل أنواع الجرائم من قتل واعتقال وتدمير، من حواجز وجدران ومعازل و و و و، ضاربًا بعرض الحائط بكل المواثيق والأعراف الدولية. بل وأكثر من كل ذلك في سبيل تشتيت هويتنا الوطنية والتي تكاد تغيب لولا روح النضال والفداء الجامعة في كل نفس تشهق وتزفر بحب فلسطين.

لقد انشغل كل تجمع فلسطيني بواقعه الخاص، الذي بات يطغى على العام، فالغزاوي بات أحد همومه أن لا يغضب القاهرة حتى إذا ما "حالفه الحظ" بفرصة للخروج من غزة أو الدخول إليها لا تعيقه إدارة معبر رفح، المنفذ الوحيد لسكان القطاع من وإلى العالم.. والضفاوي همه الأبرز أن يحصل على جواز سفر أردني ويرضى عنه الملك وحاشيته.. أما المقدسي فهمه أن يوفر مبالغ الضرائب والأرنونة الفلكية التي يفرضها المغتصبين الصهاينة، ليتمكن من الاستمرار في الحياة في الأرض التي أحب وعشق.. وفلسطيني الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ فهمهم أن يتجنبوا عنصرية الدولة والمجتمع الفاشي والعنصري.. أما فلسطيني الخارج والشتات فلا يتسع أي مقام لوصف حالهم، فالخلاص الفردي هو النتيجة الحتمية لكل ما اقترفت أيدي قيادتنا والرجعية العربية من ذنوب في حقهم منذ اتفاق أوسلو اللعين، ويكفي هنا أن نذكر بواقع وأوضاع لاجئي لبنان و سوريا والعراق.

كما نرى هنا من الضروري أن نضيف ونذكر بفلسطينيي أوروبا والشتات، الذين "يتعطشون" بقليل من الاهتمام بأن يستقبلوا أي كان من الرسميين ليسألهم عن أنفسهم، وأوضاعهم، وأرقامهم، وأعداد أفراد أسرهم، والمتزوجين منهم، وإحصاء أعدادهم ليظفروا بشرف الرقم كفلسطينيين في سجلات فلسطينية، وبتوقيع فلسطيني كما يحبون ويصرون على أن يكونوا، وبالتالي ضمهم لأرقام الإحصائيات الرسمية لأعداد الفلسطينيين في هذا العالم اللعين، بدلًا من أن يلتهمهم وأبنائهم النسيان، كما التهم أشياء كثيرة جميلة في حياتنا.

وهكذا وأكثر من كل هذا، فنحن بغبائنا وجهلنا أحيانا وتساوقنا مع الاحتلال الغاصب وعرابيه أحيانًا أخرى، أضفنا أبعادًا أكبر وأعمق للمهزلة، فأجبرنا الغزاوي على أن يسعى لرضا حماس، والضفاوي بأن يتمنى رضا فتح، وموظفي السلطة يخشون غضب أبو مازن، وموظفي حماس يتجنبون غضبها، وموظفي الوكالة يخافون غضبها أيضًا، وموظفي التنظيمات المختلفة كل وأجندة مصالحه، وهكذا بات حالنا وربما أسوأ بكثير، وربما الأسوأ لم يأتِ بعد، فنحن أيضًا (الكيادة) أجرمنا بحق أنفسنا وشعبنا كثيرًا وطويلًا، وإن لم نعترف بذلك ونقر بالمشكلة والأزمة التي لا نعفي أحدًا من المسؤولية عنها، سنستمر في التدهور، وربما ننقرض، ولنا في التاريخ العبرة. فلم يشفع الحق وحده لأصحابه (السكان الأصليين)، ولم يحمهم من الانقراض عندما لم يكن لديهم ممكنات الدفاع عن أنفسهم وحقهم في كل من استراليا وأمريكا؛ فشعبنا بات ينادي بصوت واحد كفي وكفي وكفي، ولنعيد جميعًا ومعًا الاعتبار للفلسطيني وللهوية الفلسطينية، ونؤكد للفلسطيني فلسطينيته، وأن الفلسطيني فلسطيني أينما كان، وأيّما اعتقد، ولن يكون ذلك إلا بالعودة للأصل، وهو أن فلسطين كل فلسطين أرض وشعب تحت الاحتلال، ونحن له مقاتلون حتى التحرير والعودة والنصر الأكيد .