Menu

تماهي المظلوم بالظالم

هشام عبد ربه

التماهي بالمعنى العام هو التقليد، ولكنه ليس تقليد واع ومدرك، بل هو عملية لا واعية يتحكم بها ويسيرها العقل الباطن أو ما يسمى باللاوعي وفق النظريات العلمية؛ والتماهي آلية دفاع باطني مثلها مثل الكبت أو الإسقاط أو الإعلاء ..الخ من آليات الدفاع اللاواعي، وتلك الآليات أحيانًا تكون عمليات سلبية، هدفها خلق حالة من التوازن الداخلي الموهوم، ولكي لا نغرق في هذا العلم الواسع والعميق ما يهمنا من الأمر هو حالة التماهي التي يقوم بها المظلوم مع ظالمه. وكان فرانس فانون قد درس تلك الحالة ضمن كتابه معذبوا الأرض.
كما أن لتلك الظاهرة أشكال وجود مختلفة في الحياة؛ البعض يسميها عقدة أو متلازمة ستوكهولم، أو عقدة أو متلازمة هلسنكي، رغم أن عالم الاجتماع العربي ابن خلدون قد سبق الجميع وتحدث عن تلك الحالة في مقدمته الشهيرة حيث ذكر تحت عنوان أن المظلوم مولع بتقليد ظالمه ..
فكيف لنا أن نقارب تلك الحالة والإمساك بأثرها وتجلياتها بواقعنا الراهن؟
إن صدمة الإنسان العربي التي أحدثتها تاريخيًا مواجهته لعدوان الآخر الغربي، وما أحدثته من جرح نرجسي، حيث أحدثت لدى الإنسان العربي فصام بالوعي لا زال يعاني منه ... فالآخر (الغربي)، كان في وعينا هو المحتل الغاصب القاتل عديم الإنسانية، هو العدو بكل قباحته وقذارته... ولكنه في نفس الوقت مصدر القوة والجمال والحضارة والعدل والفن والعلم والحرية ...الخ. وللأسف فإن الحالة الثقافية الملتبسة منذ بدء الصدام الحضاري بيننا وبينهم والتي بدأت بالغزو المباشر تعززت فيما بعد بغزو ثقافي، صاغته ولا زالت الحالة الثقافية الملتبسة أعلاه والتي تمثلت بأن الغالبية العظمى من مراجعنا الثقافية ومُنتجنا الثقافي هو من قبل مستشرقين، الغالبية الساحقة منهم تؤدي مهمة بحث استخباري غربي، تتبع لمراكز ومؤسسات تابعة لتلك الدول الغربية الاستعمارية. أما الجزء اليسير الآخر فيعود لبعض العرب المستغربين الذين لا يخلو معظمهم من مسحة التماهي والانبهار بالآخر، الأمر الذي وضعنا دائمًا في حالة مقارنة غير عادلة لا تفعل أكثر من زيادة الشعور بالدونية والاحتقار الذاتي.    
في واقعنا الراهن في قطاع غزة تجد العديد من حالات التماهي، فمثلًا، بعد خروج الاحتلال الإسرائيلي من القطاع عام 2005، وجدنا أن غالبية عظمى من "قواتنا العسكرية" تقلد بدون وعي كل ملامح العسكري الاسرائيلي.. كما نلاحظ ذلك في مستويات مختلفة بما فيها المستوى السياسي والاستخباري الأمني طريقة اللبس التعامل ..الخ.       فما هو تفسير ذلك؟

يعطي علم النفس وأيضًا فرانز فانون تفسير واضح لذلك، حيث أن حقائق الواقع تؤكد تخلفنا وجهلنا وضعفنا... أمام قوة الآخر وتقدمه وحضاريته وعلومه.. الخ، لذلك تلجأ النفسية الضعيفة، والشخصية غير المتوازنة والمهتزة بلاوعيها وعدم إدراكها لتلك الوقائع مدفوعة بالشعور بالدونية والاحتقار الذاتي أحيانًا، وطبعًا لا يمكن لأي نفس أن تستمر تحت نير تلك المشاعر إلا وأن تستدعي آليات الدفاع ومنها التماهي السلبي، الذي يسمح بلاوعيه للانسلاخ عن انتمائه لتلك الجماعة الضعيفة/الغبّية/الجاهلة/المتخلفة، ويبدأ بإقناع نفسه بأنه ينتمي للآخر، وذلك ضمن عملية باطنية غير واعية بالتأكيد.. فتجده بدون وعي يقلد كل شيء تقريبًا، وإن واجهته بحقيقة ذلك يكون الإنكار سيد الموقف، لكن سلوكه، وممارساته، وتصريحاته كلها، تنم عن ذلك، لدرجة أنك تراه حانق ومتأفف ومتقزز من أبناء جلدته، بل يكون معهم عنيفًا وكارهًا وعدوانيًا أشد العداء، وهو بذلك يحاول أن يثبت لنفسه أنه لا ينتمي لتلك المعاني التي تعنيها تلك الجماعه. وتزداد خطورة وسلبية التماهي حينما يتسرب للوعي، وتصبح تلك الأفكار والممارسات واعية وممنهجة ومبررة ببئس واقعنا، وهذه تجدها لدى فئة المثقفين الذين "استنخبتهم" أزمة واقعنا وقضيتنا، فتراه في أدق تفاصيل حياته يعلن تبرئه من مجتمعه وانتماءه للآخر، بأكله ولبسه وهواياته وعلاقاته. ولو لاحظنا بعضهم ممن يلوكون لغتنا ويكسروا أبجدياتها وحروفها ويسمموها بكلمات من لغات أخرى، لا لشيء إلا لإقناعنا بأنهم ليسوا منا، أو بدرجة موهومة بالعلو علينا؛ فدونيته تفترض دونية الآخرين لأسياده، فتراه حتى لا يجيد الانجليزية ولم يعش يومًا ببلد غربي، إلا إنه يشبعك أثناء حديثه بكلماتها.

أخيرًا، يعتقد هؤلاء أننا سنخر انبهارًا وإعجابًا بهم، لكنهم في الحقيقة هم في قمة الانسحاق والأقيمة، واللغة ليست شيئًا بسيطًا تحديدًا لغتنا العربية في إطار صراع يدور رحاه منذ ما يزيد عن قرن من الزمان في أرضنا العربية الفلسطينية، فالكلمة هنا هي أصل الحياة .اللغة هي شكل وجود الروح.. فأي أرواح زائفة ممزقة تلك؟! وأي شيء ممكن أن تنتج غير الرياء والزيف؟!