Menu

مجتمع الاستبداد والفساد

هشام عبد ربه

خاص بوابة الهدف

أشفق كثيرًا على البعض الذي يتصيد الفرص والأحداث ليمسك بالسلطة الحاكمة في وضعية التلبس بالاستبداد، أو الفساد، أو الانحطاط، وكأنه يكتشف القمر من جديد، أو ينهي رحلة الألف ميل المطلوبة للقضاء على الفساد والاستبداد!

إن التصور القاضي بأن القضاء عل الاستبداد والفساد وفضحه وتعريته يبدأ وينتهي بالسلطة الحاكمة، هو تصور قاصر في أحسن أحواله. في الحقيقة إن هذا التصور مضلل، حيث أن هدف مدعيه في الأغلب تأبيد حالة الاستبداد والفساد عبر اختصار معالجته في السلطة الحاكمة.       

في مجتمعاتنا العربية ثلاث سلطات أساسية، وهي ليست كالسلطات المعروفة حضاريًا في المجتمعات الديمقراطية، والتي يؤسس التوازن والانسجام بينها، لخلق مجتمع الحرية والمساواة. وأقصد هنا السلطة التشريعية الممثلة للشعب، والسلطة التنفيذية الحاكمة، والسلطة القضائية، لكن كما هو  معروف ومعاش، فإن الأمر في مجتمعاتنا مختلف تمامًا، حيث لا وجود فعلي ممؤسس لأي من تلك السلطات، في حين أن السلطات الثلاث المؤثرة في مجتمعاتنا هي:      

أولًا: السلطة السياسية، وهي لا تقتصر على السلطة التي تحتكر القوة والقانون والقمع، بل تشمل كل القوى السياسية بوصفها شريك في سلطة الحكم، ولها كقبيلة مجال ما ونصيب ما في احتكار القمع والاستبداد والفساد، حيث أن لهم مقدار من قوة التكفير والنبذ والتخوين، وحتى القمع والاستخدام الفعلي للقوة، بحيث في أغلب الأحيان يتم التفاهم مع السلطة الحاكمة فعليًا على ذلك.

ثانيًا/ السلطة الروحية، وهي المكونة من رجال الدين والمثقفين وأصحاب الفكر والرأي، وهي بشكل عام تقوم بتشريع وتحليل القمع والاستبداد والفساد للسلطة السياسية (الحاكمة). طبعًا تتوازن مع السلطة السياسية من حيث تسمح كل منهما للأخرى بمجال النفوذ والاحتكار، بحيث ارتضت السلطة الروحية عندنا أن تستغني عن مكانتها ودورها كنافذة الروح للأمة واستبدلتها بأن تكون في خدمة بلاط سلطة غير مكتملة السيادة ومخصية الصلاحيات وخاضعة وتابعة للقوى المهيمنة خارجيًا، ولا تملك في يدها سوى سطوة قمعها الأمني ضد مواطنيها.

ثالثًا/ السلطة العشائرية، وهي سلطة المجتمع المتعارف عليها من حيث بناها الأبوية والقبائلية التي لا زالت تشكل البيئة ومركز التغذية الأساسي للاستبداد والقمع والفساد بالمجتمع. طبعًا كل السلطات السابق ذكرها تعزز تلك السلطة وتغذيها وتقويها وتمدها بكل مقومات الحياة.

هذه السلطة قائمة منذ عهود طويلة، لكن في عهد الاحتلال البريطاني ل فلسطين تم تعزيز دورها وتغذيتها وضمان تبعية بعض "كبارها" إلى جانب الاحتلال ومشاريعه، كذلك فعل الاحتلال الصهيوني، من حيث تعزيز سلطة المخاتير وقضائهم ووضعهم الاعتباري، الذي وصل في بعض الأحيان حد التقرير بالشأن الوطني، وأصبح لهم مساحة نفوذ واحتكار لا يجروء أحد على الاقتراب منها، ناهيك عن جهلهم وفسادهم وحتى خيانة بعضهم التي كشفت عن وجهها السافر في محاولة الاحتلال تشكيل ما عرف بروابط القرى في الضفة الغربية التي على ما يبدو يجري إعادة إنتاج لتجربتها التي وئدت من قبل شعبنا وقواها الوطنية آنذاك. ومن المعروف أيضًا أن سلطة أوسلو عملت على ترسيم دور العشائرية والقبائلية، حيث جرى الاعتراف بهم وبدورهم منذ قدوم السلطة، وجرى توظيفهم فيها، في محاولة لاستمالتهم للسلطة ومشروعها السياسي، كما وضعهم في حالة تنافس مع القوى السياسية، خاصة المعرضة منها لاتفاق أوسلو وسلطته،  وعلى ذات النهج استمرت حركة حماس بعد أن سيطرت على قطاع غزة، بحيث لا تزال السلطات الثلاث تعزز بعضها البعض عبر التغذية المباشرة والعكسية لكل منهما؛ لتثبيت وتأبيد وترسيخ الاستبداد والقمع والفساد.       

إن منظومة الفساد في مجتمعنا معقدة وشائكة، وأي اختصار لها لا يكون سوى اختصار "لجبهة" المواجهة المطلوبة مع كل عناصر الاستبداد، واختصار "خريطة" المعركة والمواجهة المطلوبة يعني الفشل المحتوم. والاستبداد في مجتمعنا وباء يجب محاربته دون هوادة أو مسايرة أو مجاملة، فلا فرق بين حاكم مستبد وفاسد، ورجل دين أو صاحب فكر يسمم عقول الناس ويثبط من إرادتها، ويكفر الرأي ويخونه. كما لا فرق في مثل هذه البيئة بين "جلاد" قبائلي وقاضي "قانوني" فكلاهما ابن للاستبداد، فنحن وإن كنا في القرن الواحد والعشرين، إلا إننا لا زلنا مجتمع يرزح تحت نير التخلف، يتغنى بالعشيرة ويمجدها على حساب الوطن والحق والحقيقة. وفي واقع كهذا، نصبح هجين، لا نحن من التاريخ، ولا نحن من الحاضر، هجين بين الوطن والقبيلة، ينتفي عند هذا الهجين أي معنى للحرية والكرامة والعدالة، حيث لا وجود لأي معيار ناظم أو قانون.. ولا حرية لفكر ولا رأي.

هنا تكون الاستثناءات قليلة، حيث أذكر في جلسة جمعتني مع عدد من "كبار" رموز ما يسمى بالمجتمع المدني ومؤسسيه في قطاع غزة، ووجه لأحدهم انتقاد من قبل بعض الحاضرين فما كان منه إلا أن هاج وماج، مذكرًا بأنه من عائلة كذا "العريقة"، وبأن خاله فلان، وكان خاله وقتها عضوًا في أكبر مجلس لقيادة قبائل م.ت.ف، أقصد عضوًا في اللجنة التنفيذية.

يبدو أن العشائرية والقبائلية متمأسسة في داخلنا، في حين نبحث عنها خارج إطارها الصحيح، لذلك قد نكون جمعيًا مؤهلين لأن نصبح مستبدين وفاسدين وأكثر قمعية! ويبقى السؤال: ما هو العلاج من هذا المرض؟

إن الشرط الأول لمعالجة هذا المرض/الأزمة أن نعترف به، وأن تبدأ المعالجة من الذات إلى العام، بهذا نضع الشرط الأساسي لعلاجها كي نصل إلى تجاوزه/تجاوزها لاحقًا.