بعد اكتواء الأمة العربية باتفاقية كامب ديفيد الأولى التي مهدّت فيما بعد لاتفاقية أوسلو مع الاحتلال، ها هو جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه لشؤون الشرق الأوسط الذي بدأ وشريكه جيسون جرينبلات وآخرون، زيارة إلى المنطقة، حاملاً معه اقتراحاً جديداً، بعقد مؤتمر جديد في كامب ديفيد (وهذا ليس صدفة بالطبع) يدعو إليه بعض القادة العرب، ليعرض الرئيس ترامب عليهم تفاصيل الشّق السياسي لخطته المسماة ب«صفقة القرن» التي صاغها كوشنر وجرينبلات، إضافة إلى ديفيد فريدمان سفير أمريكا في «إسرائيل»، والتي صُممت تحديداً لتصفية القضية الفلسطينية تصفية تامة ونهائية، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية أيضاً.
ذلك ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرنوت» عن مصدر مسؤول في واشنطن. ويقدّر فريدمان بأن النية الحالية هي أن نتنياهو لن يحضر مؤتمراً يعقد في كامب ديفيد؛ لأن مشاركته تحول دون حضور المدعوين العرب.
وبحسب الصحيفة «الإسرائيلية» ذاتها، من المتوقع أن يكشف الرئيس الأمريكي ترامب أثناء هذا المؤتمر، عن الخطوط العريضة لصفقة القرن دون الخوض في تفاصيلها. فعلى سبيل المثال، سيقول نعم لكيان فلسطيني، ولكن ليس بالضرورة لدولة. نعم لوجود فلسطيني في القدس الشرقية، ولكن ليس بالضرورة كعاصمة، وغيرها من المبادئ التي قد تتضمنها الخطة الأمريكية.
التذاكي الأمريكي مكشوف تماماً، فالقدس اعترف بها الرئيس ترامب عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية إليها. كما أن الولايات المتحدة تضغط على دول العالم في ثلاث قضايا: نقل سفاراتها إلى القدس، ووقف تمويل «أونروا» لمحاولة إنهائها وبالفعل أوقفت سويسرا وهولندا مؤخراً ما كانتا تدفعانه سنوياً لوكالة الغوث والقضية الثالثة، حضّ الدول التي تقاطع «إسرائيل» على وقف مقاطعتها لها؛ بل إقامة أفضل العلاقات معها، كما سنّت قانوناً يساوي بين العداء للصهيونية والعداء للسامية.
كل هذه الخطوات الأمريكية هي شيك أمريكي على بياض لدولة الاحتلال وخطتها للتسوية (التصفية). إن كافة تصريحات كوشنر تؤكد ألا دولة فلسطينية تتضمنها «صفقة القرن»؛ بل كيان فلسطيني (هو أقرب إلى الحكم الذاتي)، والمؤكد في الخطة (الصفقة) هو تأكيد أمن «إسرائيل» واشتراطاته.
من جانبها، فإن «إسرائيل» استبقت جولة كوشنر بالموافقة على بناء 6 آلاف وحدة سكنية استيطانية، وتم إنهاء ونشر المخططات الهندسية لضم المنطقة C، والتي هي عبارة عن 60% من مساحة الضفة الغربية، ويعتبر مراقبون سياسيون الدعوة إلى مؤتمر كامب ديفيد جديد، كما التصريحات الانتخابية الأخيرة لبنيامين نتنياهو، ومنافسه بيني جانتس، رئيس تحالف «أزرق وأبيض» التي تؤكد ضم كافة مستوطنات الضفة الغربية إلى «إسرائيل»، هي تمهيد لما سيطرح في المؤتمر المنوي عقده.
من جانبه، يؤكد جانتس ضرورة وجود «إسرائيل» على قمم المرتفعات وفي غور الأردن كضرورة أمنية، تماماً كما يقول نتنياهو. أما العنصرية إيليت شكيد التي ترأس قائمة الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة للانتخابات القادمة المقررة في سبتمبر/أيلول المقبل، فتدعو إلى طرد الفلسطينيين (ترانسفير)، وضم كل مناطق الضفة الغربية إلى «إسرائيل».
مؤتمر كامب ديفيد الجديد، في حال نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عقده، سيكون بمثابة دعم لحملة نتنياهو الانتخابية، ووضعه في مكانة زعيم دولي!
أما على صعيد التنافس الانتخابي المحلي في «إسرائيل»، فإن عقد مؤتمر كهذا، قد يخفف من رفض تحالف «أزرق وأبيض» الانضمام لائتلاف حكومي برئاسة نتنياهو. وربما قد يدفع حزب «العمل» للانضمام إلى حكومة كهذه.
أيضاً، من الممكن وكما تقول صحيفة «هآرتس» أن تُقدم إدارة الرئيس دونالد ترامب وفريقه المتشدد في دعم «إسرائيل» وعلى رأسه جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، ومايك بومبيو وزير الخارجية، وتحت ضغط السباق الانتخابي في أمريكا و«إسرائيل»، وفي مزيد من الدعاية لإنجاح نتنياهو على اتخاذ المزيد من القرارات المساندة للاحتلال والاستيطان، وفرض القانون «الإسرائيلي» على الضفة الغربية المحتلة أو أجزاء واسعة منها.
وتوقعت الصحيفة أن «يرفض الفلسطينيون الخطة على الفور، بينما سيعلن رئيس الوزراء «الإسرائيلي» أنه يقبلها على الرغم من تحفظاته. هذا السيناريو سيكون مصيره الفشل، مثل مؤامرات كثيرة سابقة أحبطها الشعب الفلسطيني بأطيافه كافة، المصرّ على تحرير كامل ترابه الوطني ونيل كافة حقوقه المشروعة، بمساندة الشرفاء في أنحاء العالم كافة.

